موريتانيا ٤ الحوض الشرقي.. هل نحن أمام إعادة ترتيب للأوراق؟

 

اخبار اليوم  منذ زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني للحوض الشرقي، بدا أن المشهد السياسي الموريتاني دخل، بهدوء، مرحلة مختلفة من إعادة ترتيب الأوراق. ولم تكن أهمية تلك الزيارة في بعدها التنموي أو الشعبي وحده، بل في الرسائل التي حملتها، وفي بعض المظاهر التي فرضت نفسها على النقاش العام، وفي مقدمتها ظاهرة التخندق القبلي، وما رافقها من حديث عن ترشح بعض الشخصيات للرئاسة، وكأن السباق إلى مرحلة ما بعد غزواني قد بدأ قبل أوانه.

ومنذ ذلك الوقت، توالت قرارات وتحركات لا تبدو، عند قراءتها منفردة، مترابطة بالضرورة، لكنها تصبح أكثر إثارة للتساؤل حين توضع في سياق واحد: تنظيم وضع العسكريين المتقاعدين ومنعهم من ممارسة العمل السياسي وفق الإطار القانوني الجديد، وما رافق ذلك من إعادة ترتيب بعض الامتيازات والحقوق المرتبطة بالخدمة العسكرية، ثم اتساع الحملات السياسية المطالبة بمواصلة النهج، وصولاً أحياناً إلى الدعوة إلى مأمورية ثالثة للرئيس، بالتزامن مع تحركات وفعاليات ذات طابع سياسي واجتماعي تغطي مناطق مختلفة من البلاد.

السؤال هنا ليس: هل هناك قرار معلن بشأن المستقبل السياسي للرئيس؟

فلا توجد، في حدود المعطيات العلنية، إجابة قاطعة عن ذلك.

السؤال الأعمق هو: هل بدأت مراكز القوى داخل النظام تستعد مبكراً لمرحلة ما بعد المأمورية الحالية، أم أن ما نشهده مجرد محاولة لإبقاء الأغلبية السياسية والاجتماعية متماسكة إلى نهاية العهدة؟

من الحوض الشرقي بدأت الأسئلة

كانت زيارة الحوض الشرقي لحظة كاشفة، لأنها وضعت السلطة أمام مشهد اجتماعي لا يمكن فصل السياسة فيه عن البنية التقليدية للمجتمع.

فالقبلية في موريتانيا ليست مجرد انتماء اجتماعي؛ إنها، في كثير من الأحيان، شبكة نفوذ ووساطة وحشد انتخابي. ولذلك فإن مواجهة مظاهر التخندق القبلي ليست مسألة خطابية فقط، وإنما تمس إحدى أهم الأدوات التي اعتادت النخب السياسية استخدامها في بناء النفوذ.

ومن هنا يمكن فهم الحساسية التي رافقت الحديث عن ترشح شخصيات للرئاسة في وقت مبكر.

فكلما اقتربت الأنظمة السياسية من نهاية المأموريات، تبدأ الأغلبية في طرح السؤال الصامت: من بعد؟

وهذا السؤال، في مجتمع يقوم جزء من السياسة فيه على قراءة موازين القوى والانتماءات وشبكات المصالح، قد يكون أخطر من السؤال المعلن نفسه.

لأن الأغلبية السياسية ليست دائماً كتلة عقائدية متماسكة. وفي أحيان كثيرة تكون أقرب إلى تجمع مصالح ينتظر اللحظة المناسبة لمعرفة اتجاه الريح.

العسكريون المتقاعدون.. قرار قانوني أم إعادة رسم لمساحة النفوذ؟

يكتسب القانون المتعلق بمنع الضباط المتقاعدين من ممارسة السياسة أهمية تتجاوز نصه القانوني المباشر.

فالمؤسسة العسكرية في موريتانيا ليست مؤسسة عادية في الذاكرة السياسية للبلاد. لقد لعب الضباط، ولا يزالون يلعبون بحكم التاريخ، أدواراً كبيرة في تشكيل الدولة وصناعة القرار.

ولهذا فإن انتقال الضابط من المؤسسة العسكرية إلى المجال السياسي يظل مسألة شديدة الحساسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات ذات وزن وخبرة وعلاقات واسعة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة القانون باعتباره محاولة للفصل بين مسارين: مسار المؤسسة العسكرية ومسار العمل السياسي المدني.

وهو من حيث المبدأ فصل مفهوم في الدول التي تريد أن تجعل المؤسسة العسكرية بعيدة عن التجاذبات الحزبية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يدخل القانون في حسابات الأشخاص وموازين القوى.

فهنا يصبح السؤال مشروعاً:

هل الهدف هو تحصين المؤسسة العسكرية من السياسة؟

أم أن القانون، في توقيته وتداعياته، يؤدي أيضاً إلى إعادة توزيع النفوذ داخل المجال السياسي؟

والفرق بين السؤالين كبير.

العقداء والجنرالات.. ما الذي تقوله الشائعة؟

تتداول بعض الأوساط رواية عن دعوة أحد الجنرالات المتقاعدين مجموعة من العقداء، بهدف الدفاع عن استمرار حماية الوضع القانوني أو الحقوقي للمتقاعدين العسكريين، وأن الاجتماع شهد اعتراضات من بعض الحاضرين.

هذه الرواية، ما لم تتوافر بشأنها معلومات موثوقة، ينبغي أن تبقى في إطار الشائعة السياسية لا الحقيقة المثبتة.

لكن حتى الشائعة، أحياناً، تكون جديرة بالتحليل؛ لأنها تكشف نوع الأسئلة التي تدور في المجتمع السياسي.

فإذا صح أن هناك تذمراً داخل بعض الأوساط العسكرية من نتائج إحالة بعض الجنرالات إلى التقاعد، فإن المسألة لا تتعلق بالراتب أو الرتبة وحدهما، وإنما يمكن أن تتصل بسؤال أعمق: من يملك حق صناعة التوازن داخل المؤسسة؟ ومن ينتقل إلى مواقع القوة، ومن يتوقف طموحه عند رتبة معينة؟

وهنا ينبغي الحذر من تحويل الأمر إلى صراع معلن بين أجيال الضباط؛ فذلك استنتاج أكبر من المعطيات المتاحة.

لكن مجرد تداول هذه القراءة يعكس وجود أسئلة حقيقية حول علاقة التقاعد بالنفوذ، وحول الحدود الفاصلة بين الرتبة العسكرية السابقة والمكانة السياسية اللاحقة.

زيارة السيدة الأولى.. لماذا تثير كل هذه الأسئلة؟

في هذا السياق تحديداً، تكتسب زيارة السيدة الأولى للجنرال المتقاعد مسغارو ولد سيدي في قرية أبلمحاظر، بواسطة طائرة خفيفة، دلالة سياسية تتجاوز بعدها الاجتماعي إذا ثبتت تفاصيلها كما يتم تداولها.

ليس لأن زيارة شخصية سياسية أو اجتماعية لشخصية وطنية أمراً غير طبيعي، وإنما لأن التوقيت هو الذي يمنح الزيارة معناها السياسي المحتمل.

فالسياسة لا تُقرأ فقط من البيانات الرسمية، بل أحياناً من الأشخاص الذين تتم زيارتهم، ومن الأماكن التي تتم فيها الزيارة، ومن توقيتها، ومن الصمت الذي يحيط بها.

هل هي زيارة اجتماعية خالصة؟

ربما.

هل تحمل رسالة سياسية؟

ممكن.

هل هي جزء من تحرك أوسع؟

لا يمكن الجزم.

لكن في السياسة، لا يكفي أحياناً أن نسأل: ماذا قيل؟

بل يجب أن نسأل أيضاً: لماذا قيل الآن؟ ولماذا لهذا الشخص تحديداً؟

من «المأمورية الثالثة» إلى سؤال الخليفة

المفارقة الأكثر إثارة في المشهد هي أن الدعوات المطالبة بمواصلة النهج، بل والدعوة أحياناً إلى مأمورية ثالثة للرئيس، تتزامن مع الحديث عن تحركات اجتماعية وسياسية واسعة.

وهنا يجب التمييز بين أمرين.

الأول: أن تكون هذه الحملات تعبيراً حقيقياً عن رغبة شعبية في استمرار النهج.

والثاني: أن تكون وسيلة سياسية لإبقاء الرئيس في مركز المشهد ومنع الأغلبية من الدخول مبكراً في سباق الخلافة.

والاحتمال الثاني ليس مستبعداً منطقياً.

فإذا بدأ الحديث عن خليفة الرئيس قبل نهاية المأمورية، فإن الأغلبية قد تبدأ بالتشظي. وكل مجموعة ستبحث عن الشخصية التي تراها الأوفر حظاً، وستبدأ التحالفات الصغيرة في التشكل، وقد يتحول الولاء من الرئيس القائم إلى المرشح المفترض.

أما إبقاء سؤال المأمورية الثالثة حاضراً، حتى دون قرار رسمي بشأنه، فإنه يؤجل هذا السباق.

وهنا تكمن أهمية الحملات التي تقول: مواصلة النهج.

فهي قد لا تكون بالضرورة حملة انتخابية بالمعنى المباشر، وإنما يمكن أن تكون، في أحد أوجهها، وسيلة لإبقاء المركز السياسي الحالي قوياً، وتأجيل لحظة توزيع الولاءات.

هل نحن أمام صراع أذرع؟

هذه واحدة من أكثر الفرضيات إثارة، لكنها أيضاً أكثرها حاجة إلى الحذر.

فوجود تحركات متعددة، وتباين في الخطابات، وظهور شخصيات اجتماعية وسياسية في أدوار مختلفة، لا يكفي وحده للقول إن هناك صراعاً بين أذرع داخل النظام.

قد يكون هناك صراع.

وقد تكون هناك منافسة طبيعية بين مراكز نفوذ.

وقد تكون التحركات كلها جزءاً من استراتيجية واحدة، لكن بأدوات متعددة.

وفي الأنظمة السياسية التي تقوم على موازنة المصالح، قد يكون المطلوب أحياناً ليس حسم الصراع، وإنما إدارة الصراع بحيث لا يتحول إلى تهديد للمركز.

وهنا يصبح الرئيس، في هذه المعادلة، ليس بالضرورة طرفاً في كل تناقض، وإنما الطرف الذي تتقاطع حوله مختلف المصالح.

القبيلة.. الحاضر الغائب

أما الحديث عن إيقاظ بني حسان، أو إعادة طرح فكرة تغييب مكونات اجتماعية معينة عن الحكم، فهو أخطر أجزاء المشهد؛ لأنه ينقل النقاش من السياسة إلى الهوية الاجتماعية.

وهنا ينبغي التوقف.

موريتانيا لا يمكن أن تبني استقرارها السياسي على فكرة أن قبيلة أو مجموعة اجتماعية «دورها الآن»، وأن مجموعة أخرى «دورها انتهى».

التاريخ الموريتاني أكثر تعقيداً من ذلك.

لقد عرفت البلاد موازين قوى متغيرة بين المجموعات والقبائل والمراكز الدينية والعسكرية، ولم تكن السلطة في أي مرحلة حكراً بسيطاً على كتلة اجتماعية واحدة.

وحتى الحديث عن لقلال، وبني حسان، وكنته، وأديبسات، وغيرها، ينبغي أن يتم باعتباره جزءاً من تاريخ اجتماعي وسياسي معقد، لا باعتباره خريطة انتخابية جاهزة للمستقبل.

فالمشكلة ليست في أن يكون لمجموعة اجتماعية حضور سياسي.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الاجتماعية إلى شرط للحق السياسي.

أخطر ما في المشهد ليس ما نراه.. بل ما قد لا نراه

إذا جمعنا هذه العناصر معاً: قانون العسكريين المتقاعدين، الحملات السياسية المطالبة بمواصلة النهج، الحديث عن المأمورية الثالثة، التحركات الاجتماعية، عودة النقاش حول أدوار بعض المكونات، ثم زيارة شخصيات وازنة لشخصيات عسكرية متقاعدة؛ فإننا لا نصل بالضرورة إلى نتيجة واحدة.

لكننا نصل إلى سؤال كبير:

هل بدأت موريتانيا مبكراً جداً في الاستعداد للمرحلة السياسية القادمة؟

قد يكون الجواب نعم.

وقد يكون النظام، على العكس، يحاول فقط المحافظة على تماسك أغلبيته حتى نهاية المأمورية، لأن فتح ملف الخلافة الآن يعني فتح أبواب المنافسة داخل البيت الواحد.

وهذا تفسير له وجاهته.

فالأغلبية التي تتجمع حول رئيس موجود في السلطة تختلف تماماً عن أغلبية تبحث عن رئيس قادم.

في الحالة الأولى، الجميع يملك مصلحة في البقاء داخل الدائرة.

أما في الحالة الثانية، فإن كل طرف يبدأ في البحث عن موقعه في الدائرة الجديدة.

الخلاصة

المشهد الموريتاني اليوم لا يبدو، في تقديري، مشهداً انتخابياً بالمعنى المباشر، لكنه يبدو أقرب إلى مرحلة جس نبض وإعادة تموضع مبكر.

هناك من يريد استمرار النهج.

وهناك من بدأ، ربما بصمت، يسأل عن خليفة النهج.

وهناك من يريد أن يحافظ على نفوذه داخل المؤسسة العسكرية بعد التقاعد.

وهناك من يريد أن يعيد الاعتبار إلى مكون اجتماعي يعتقد أنه غاب عن دوائر القرار.

وهناك، في المقابل، سلطة تبدو معنية قبل كل شيء بمنع الأغلبية من التفكك قبل أوانها.

ومن الخطأ أن نقرأ كل زيارة أو كل حملة أو كل قانون باعتباره دليلاً على مؤامرة سياسية مكتملة الأركان.

لكن من الخطأ أيضاً أن نقرأها جميعاً باعتبارها أحداثاً منفصلة لا رابط بينها.

فالسياسة تبدأ غالباً من التفاصيل الصغيرة.

والسؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه الأشهر القادمة ليس فقط: هل ستكون هناك مأمورية ثالثة؟

بل ربما يكون السؤال الأهم:

من يريد أن يبقى غزواني ممسكاً بخيوط اللعبة حتى النهاية، ومن بدأ بالفعل في البحث عن الشخص الذي سيمسك بها بعده؟

أما المجتمع الموريتاني، فيبقى أمام امتحان أكبر من الأشخاص والأسماء: هل يستطيع أن ينتقل من سياسة البحث عن «الدائرة الملاصقة للرئيس» إلى سياسة يكون فيها الانتماء إلى الدولة أهم من الانتماء إلى دائرة النفوذ؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي.

لأن تغيير الأشخاص لا يغير طبيعة اللعبة، إذا بقيت قواعد اللعبة نفسها.

حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    سكان يفترشون الطرق وحفل دبلوماسي بلا كهرباء في “ليلة الهروب من ظلام نواكشوط “

    أخبار اليوم.   تعيش العاصمة نواكشوط منذ مساء الجمعة على وقع انقطاعات متكررة للكهرباء، أعقبت حريقاً اندلع في محطتين كهربائيتين، شمالي وغربي العاصمة، وتسبب في اضطراب واسع في شبكة التوزيع. وأدى…

    اقرأ المزيد

    وزيرة التجارة والسياحة تشرف على افتتاح موسم جوخة السياحي تحت شعار «وطني وجهتي»

    أخبار اليوم.   أشرفت معالي وزيرة التجارة والسياحة، السيدة زينب بنت أحمدناه، رفقة والي اترارزة، السيد أحمدنا ولد سيدْ أبَّ، اليوم الأحد بمنتجع جوخة السياحي في مدينة اركيز، على افتتاح الموسم…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية