أخباراليوم. بعد أن وعد بمنح أوكرانيا ترخيصاً لتصنيع صواريخ “باتريوت” خلال قمة حلف الناتو في أنقرة في أوائل يوليو 2026، تراجع دونالد ترامب عن هذا الأمر بعد بضعة أسابيع. وهناك عدة عوامل تجعل هذا المشروع غير مؤكد، منها: تردد الشركات المصنعة الأمريكية، وتشبع خطوط الإنتاج، ومخاطر تسرب التكنولوجيا.
يُحدث هذا المشروع تحولاً جذرياً في قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية، إذ سيتيح للبلاد تصنيع صواريخ “PAC-3” الاعتراضية التي يستخدمها نظام “باتريوت” الأمريكي.
ومع ذلك، ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرّح خلال قمة حلف الناتو في أنقرة في 8 يوليو بأنه يعتزم “منح” هذه الرخصة لكييف، إلا أنه عاد بعد بضعة أسابيع ليقول إنه لم يعد “متأكداً” من الإقدام على هذه الخطوة.
وفي غضون ذلك، يحث الرئيس الأوكراني حلفاءه – ولا سيما الولايات المتحدة – على تزويد بلاده بمزيد من صواريخ “PAC-3” للتصدي لروسيا، التي كثفت هجماتها الجوية على البلاد في الأشهر الأخيرة بضربات اتسمت بكونها فتاكة بشكل خاص.
وتُعد هذه الصواريخ، في الواقع، إحدى الوسائل الرئيسية المتاحة لأوكرانيا لاعتراض الصواريخ الباليستية الروسية التي تشتهر بصعوبة تحييدها.
يتمثل أحد العوامل المفسرة للتردد الأمريكي الجديد في تناقص مخزون صواريخ “باتريوت”؛ إذ أدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير 2026 إلى تفاقم هذا النقص.
مخاوف من ظهور منافس أوكراني
ومع ذلك، قد يرتبط تردد واشنطن ارتباطاً مباشراً بمصالح صناعة الدفاع الأمريكية. فوفقاً لمسؤول جمهوري لم يُكشف عن اسمه نقلت عنه مجلة “ذا أتلانتيك”، يُقال إن الشركات المصنعة لنظام “باتريوت” تخشى أن ينجح الأوكرانيون في تحسين النظام، ومن ثم إنتاجه بسرعة أكبر وبتكلفة أقل مقارنة بخطوط الإنتاج الأمريكية.
وتبدو هذه الفرضية منطقية بالنسبة لمارك كانسيان، وهو عقيد سابق في مشاة البحرية الأمريكية ومستشار في شؤون الدفاع والأمن بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS). حيث أوضح في مقابلة مع إذاعة فرنسا الدولية (RFI) قائلاً: “عندما تمنح الولايات المتحدة دولة أخرى ترخيصاً لإنتاج سلاح أمريكي، فإنها تحظر عموماً تصدير ذلك الإنتاج؛ لأن الشركات المصنعة الأمريكية لا ترغب في خلق منافس لها”.
غير أن المخاوف من احتمال قيام كييف بإنتاج المزيد من الوحدات، أو إنجاز ذلك بسرعة أكبر أو بتكلفة أقل، لم يتم تأكيدها علناً سواء من قبل شركة “رايثيون” (التابعة لمجموعة RTX) أو شركة “لوكهيد مارتن”.
وتُعد “رايثيون” المقاول الرئيسي لنظام “باتريوت”، حيث تتولى توريد مكونات مثل الرادار ونظام التحكم في النيران، بينما تنتج “لوكهيد مارتن” صاروخ “PAC-3 MSE”، وهو الصاروخ الاعتراضي الذي يستخدمه النظام.
الجدول الزمني وسلسلة التوريد
تتمثل عقبة أخرى أمام المشروع في الجدول الزمني؛ ففي حين طرحت وسائل إعلام عديدة وسلطات أوكرانية احتمالية بدء إنتاج صواريخ “باتريوت” في أوكرانيا في غضون ثمانية عشر شهراً، يرى مارك كانسيان أن هذا الهدف غير واقعي. إذ يقدّر أن الأمر قد يستغرق عامين أو ثلاثة أو أربعة أعوام حتى يصبح النظام بأكمله جاهزاً للتشغيل، موضحاً أن إنتاج صاروخ واحد فقط يتطلب أولاً بناء أو تهيئة المنشآت، وتدريب واعتماد المهندسين والفنيين، ومن ثم تأهيل كل مورد وكل مكون من مكونات النظام.
أقرّ مايكل كادينازي، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي للسياسة الصناعية، في يوليو الماضي بأن مرحلة التأهيل هذه ستكون صعبة للغاية، نظراً لمحدودية عدد المهندسين ذوي الخبرة في التقنيات اللازمة وندرة المكونات المعتمدة مسبقاً.
علاوة على ذلك، فإن إنشاء مصنع في أوكرانيا يتطلب إقامة سلسلة توريد مخصصة؛ إذ يوضح مارك كانسيان أنه في حال اعتماد المنشأة على الموردين أنفسهم الذين يزودون خطوط الإنتاج الأمريكية، ستجد كييف وواشنطن نفسيهما في حالة تنافس للحصول على مكونات تعاني أصلاً من نقص في الإمدادات.
وتتفاقم هذه التحديات بسبب الارتفاع الحالي في الطلب على الصاروخ الاعتراضي؛ ففي حين تستخدم 18 دولة حالياً نظام “باتريوت” وتسعى لتأمين إمدادات منه، تهدف الولايات المتحدة -التي تنتج نحو 600 وحدة سنوياً- إلى رفع طاقتها الإنتاجية لتصل إلى 2000 وحدة بحلول عام 2030.
ويشير مارك كانسيان إلى أنه “إذا توفرت فرصة لزيادة الإنتاج، فمن المرجح أن ترغب الشركات الأمريكية في القيام بذلك بنفسها بدلاً من منح ترخيص لأوكرانيا”.
تقنيات حساسة معرضة لخطر الوقوع في أيدي موسكو
وتتمثل عقبة أخرى في خطر تسريب المعلومات المرتبط بهذا النوع من نقل التكنولوجيا؛ إذ يشتمل نظام “باتريوت” وصاروخه من طراز “PAC-3” على رادارات وبرمجيات وأنظمة توجيه ورأس باحث (seeker head)، وهي تقنيات تخضع لرقابة صارمة من جانب الولايات المتحدة لمنع انتشارها،
وذلك خشية انكشاف معلومات حساسة. وحتى الآن، لا تمتلك سوى ألمانيا واليابان تراخيص لتصنيع صواريخ “PAC-3”. وتشير تقارير صحيفة “التلغراف” البريطانية إلى أن طوكيو نفسها لا تمتلك المخططات الفنية الخاصة بالرأس الباحث -وهو مكون جوهري لفعالية الصاروخ-…









