أخبار اليوم. وسط امتدادات الصحراء الموريتانية الشاسعة، حيث تلتقي الرمال بالصخور وتتلاشى الحدود بين الأرض والسماء، تجلس فاطمة شيخ بويّة داخل خيمتها المصنوعة من سعف النخيل، تحدق في الأفق البعيد لعله يبوح بقدوم زوار جدد. هذه المرأة الأربعينية ليست مجرد سيدة صحراوية، بل هي حارسة أحد أعجب عجائب الطبيعة في القارة الأفريقية: “بنية ريشات” أو “عين أفريقيا” كما يُطلق عليها عالمياً.
هذا التكوين الدائري الهائل، الذي يبلغ قطره نحو 40 كيلومتراً، يقع في هضبة آدرار الوعرة، على الحافة الغربية للصحراء الكبرى. ولا يمكن للإنسان أن يدرك عظمة هذا المعلم إلا من الجو، حيث تتشكل حلقاته المتداخلة كعين عملاقة تطل على رمال الصحراء. وقد أضفت الأساطير القديمة، التي تزعم أنه موقع مدينة أطلنطس المفقودة، مزيداً من الغموض والسحر على هذا المكان، ليصبح قبلة للمغامرين والباحثين عن الجمال الخفي.
الصحوة البطيئة لقطاع السياحة
بعد سنوات من الجمود، بدأت موريتانيا تستعيد أنفاسها السياحية شيئاً فشيئاً. ففي الماضي، كانت البلاد تستقبل نحو 30 ألف سائح سنوياً في موسم السياحة، لكن الفترة المظلمة من تاريخها أوقفت هذا التدفق وكادت تطمس معالمها من خريطة السياحة العالمية.
اليوم، تسعى الحكومة الموريتانية جاهدة لإحياء هذا القطاع الواعد، من خلال حملات ترويجية مكثفة بدأت تؤتي ثمارها. يؤكد شون كونولي، خبير السفر الذي اختار موريتانيا كوجهة لعام 2026 في صحيفة التايمز البريطانية، أن “موريتانيا تمر بلحظة فارقة في عالم السفر”. ويضيف أن سر جاذبيتها يكمن في أمانها النادر: “إنها تتصدر قائمة الوجهات القليلة حيث يمكنك استكشاف الصحراء بحرية وأمان تام، دون خوف أو توجس”.
عندما تحول الأمان إلى كابوس
كان العقد الأول من الألفية الثالثة أشبه بحلم جميل للسياحة الموريتانية، حيث كانت أفواج السياح، خاصة من فرنسا، تتوافد في الأشهر الباردة بين نوفمبر وفبراير، للاستمتاع بروعة الصحراء ومتابعة سباق دكار الشهير الذي كان يمر عبر أراضيها.
لكن سرعان ما تحول الحلم إلى كابوس عندما بدأت الجماعات المسلحة، وعلى رأسها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعة السلفية للدعوة والقتال، تنشر الرعب في مناطق متفرقة من البلاد، وصولاً إلى قلب العاصمة نواكشوط. وفي مشهد هزّ الضمير العالمي، أقدم مسلحو القاعدة في عيد الميلاد عام 2007 على قتل أربعة سياح فرنسيين من عائلة واحدة بالقرب من بلدة ألاك، بينما كانوا يستمتعون بنزهة على قارعة الطريق.
لم تكن تلك الحادثة سوى بداية النهاية، إذ تراجعت أعداد الزوار بشكل دراماتيكي، وانتقل سباق دكار إلى الشرق الأوسط نهائياً، وتوقفت الرحلات الجوية المستأجرة التي كانت تنقل السياح مباشرة إلى منطقة آدرار.
استراتيجية متكاملة: بين الأمن والتنمية
لم تقف الحكومة الموريتانية مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي، بل شرعت في بناء استراتيجية أمنية وتنموية شاملة. فعلى الصعيد الأمني، تم تعزيز الوجود العسكري في المناطق الحدودية، مع إشراك القادة الدينيين في حملات توعوية لمكافحة التطرف، شملت السجون والمدارس القرآنية التي خضعت لرقابة مشددة.
أما على الصعيد التنموي، فقد تحول الاهتمام نحو تخفيف حدة الفقر في المناطق الريفية، من خلال توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتوفير الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة وتعليم واتصالات في أقصى المناطق النائية.
وقد أثمرت هذه الجهود عن نتائج ملموسة، فلم تسجل أي هجمات منذ عام 2011، وقفزت أعداد السياح بنسبة 166 بالمئة بين عامي 2018 و2019، بعد تخفيض رسوم التأشيرة من 120 إلى 40 يورو.
تحديات الراهن وطموحات المستقبل
رغم بشائر التحسن، تظل الأرقام متواضعة مقارنة بالماضي الذهبي، خاصة في بلد يعيش فيه نحو ثلث السكان تحت خط الفقر. ومع أن الزوار يعبرون عن إعجابهم بجمال موريتانيا الساحر، إلا أنهم يلاحظون بعض القصور في البنية التحتية، كغياب الحراس والمكاتب التنظيمية في المواقع الأثرية، ووعورة الطرق الصحراوية التي قد لا تناسب كل الأذواق.
لكن خبراء السياحة يرون في هذه البساطة البدائية ميزة لا عيباً، فهي تمنح الزائر تجربة أصيلة وفريدة لا تضاهيها فنادق الخمس نجوم. ومع ذلك، بدأت الرياح تتغير بهدوء، حيث افتتحت أول سلسلة فنادق عالمية في نواكشوط، في إشارة إلى تحول تدريجي نحو استقطاب شريحة أوسع من السياح.
حكاية صحراوية… أمل يتجدد
تقول فاطمة بويّة، التي ورثت مهنة السياحة عن أبيها الذي استضاف المستكشف الفرنسي الشهير تيودور مونو في خيمته، إنها عادت إلى العمل بعد توقف دام سنوات بسبب المخاوف الأمنية. لكن جذب السياح اليوم صار أشبه بمعركة، فالنظام القديم الذي كانت وكالات السفر تدير من خلاله الزيارات بشكل منتظم قد تلاشى.
“السياح اليوم مثل الغنيمة التي يجب أن نتنافس عليها”، تقول فاطمة بنبرة تختلط فيها الحسرة بالأمل، بينما تحضر الزريغ (مشروب حليب الماعز المخمر) وتُعدّ الشاي الموريتاني الحلو على نار هادئة، في انتظار أن يطلّ مسافر جديد من خلف كثبان الصحراء ليُحيي في قلبها أملاً يتجدد مع كل شروق شمس في هذه الأرض العجيبة








