أخباراليوم. بعد أن وقع ممثلو الأطراف المشاركة في الحوار الوطني مساء الثلاثاء 14/07/2026 في نواكشوط على الوثيقة المقدّمة من منسق الحوار موسى افال، والتي ذكر أنها تحتوي على محاور هامة، وأن البلد بفعلها سيدخل مرحلة جديدة ستكون تاريخية، مطالبا بالانتباه إلى ضرورة التهيئة للحوار ودراسة المحاور التي ستناقش، مردفا أنه على الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية دراسة هذه المحاور وتقديم ما تتطلبه من مقترحات مفيدة.
بعد هذا كله تقف بلادنا على المرحلة الهامة والعملية للحوار الوطني المرتقب، وهي مرحلة الدخول الفعلي في الحوار، ومع أنها ليست بحاجة إلى حوار جديد بقدر ما هي بحاجة إلى حوار مختلف عن سابقيه، فالتاريخ السياسي للبلاد عرف محطات عديدة من التشاور والتوافق، بعضها أسهم في تهدئة الأزمات وفتح آفاقا للإصلاح، وبعضها الآخر انتهى إلى مخرجات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، فتراجعت الثقة في قدرة الحوارات نفسها على إحداث التغيير المنشود.
اليوم، يعود الحديث عن حوار وطني جديد في سياق داخلي وإقليمي يختلف كثيرًا عما سبق. فمنطقتنا تواجه تحديات أمنية متصاعدة، والاقتصاد العالمي بفعل الحرب حول مضيق هرمز يفرض ضغوطًا متزايدة، بينما ترتفع داخل البلاد تطلعات المواطنين إلى تحسين مستوى المعيشة، وتطوير الخدمات، وتعزيز العدالة، وترسيخ دولة المؤسسات.
ومن هنا، فإن نجاح الحوار لم يعد قضية سياسية تخص النخب وحدها، بل أصبح شأنًا وطنيًا يمس مستقبل الدولة والمجتمع.
إن ما يمنح الحوار المرتقب أهميته بالغة كالتي تحدث عنها المنسق موسى افال؛ ليس مجرد انعقاده، وإنما كونه يأتي في لحظة تتطلب إعادة بناء جسور الثقة بين مختلف الفاعلين السياسيين، فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي عملية إصلاح، ولا يمكن لأي توافق أن يصمد إذا ظل محكومًا بحسابات الشك المتبادل أو بمنطق تسجيل النقاط السياسية.
لقد أثبتت التجربة الموريتانية أن التوافق كان حاضرًا في كثير من المنعطفات الكبرى، وأن الحوار ظل وسيلة مفضلة لتجنب الانسداد السياسي، لكن التجربة نفسها تؤكد أيضًا أن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه لا يقل أهمية عن التوصل إلى الاتفاق ذاته، ولذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح الحوار المقبل لن يكون عدد المشاركين، ولا حجم الوثائق الصادرة عنه، وإنما قدرته على إنتاج التزامات واضحة، وآليات متابعة فعالة، وجدول زمني يمنح المواطنين الثقة بأن النتائج ستتحول إلى واقع معيش، وحقائق ملموسة.
ومن الطبيعي أن تختلف القوى السياسية حول تقييم الأولويات، لكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون الاتفاق على القضايا الجامعة:
كتطوير المنظومة الانتخابية، وتعزيز الحكامة، ورفع كفاءة الإدارة، وترسيخ استقلال المؤسسات، وتحسين مناخ الاستثمار، والارتقاء بخدمات التعليم والصحة، إلى جانب معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
كما أن نجاح الحوار يقتضي توسيع دائرة المشاركة لتشمل، إلى جانب الأحزاب السياسية، الشباب والنساء والنقابات والفاعلين الاقتصاديين ومنظمات المجتمع المدني.
فكلما اتسعت دائرة المشاركين، ازدادت فرص الوصول إلى حلول تحظى بقبول أوسع وتكون أكثر قابلية للاستمرار.
إن الحوار ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لبناء توافقات وطنية مستقرة، والتوافق الحقيقي لا يعني أن يتخلى أي طرف عن قناعاته، وإنما أن يلتقي الجميع على قواسم مشتركة تجعل المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الحزبية الضيقة، والظرفية الآنية.
ويبقى الأمل أن يشكل هذا الحوار بداية مرحلة جديدة من الحياة السياسية في بلادنا، عنوانها الثقة والمسؤولية والشراكة، فالأوطان تتقدم عندما تتحول الخلافات إلى أفكار، والمنافسة إلى برامج، والحوار إلى قرارات قابلة للتنفيذ، فالفرص السياسية لا تتكرر كثيرًا، وما ينتظره المواطن اليوم ليس مجرد اجتماع للنخب، بل بداية مسار إصلاحي ينعكس على حياته اليومية، ويعزز الاستقرار، ويفتح المجال أمام تنمية أكثر شمولًا وعدالة.
فإذا نجح الحوار في تحقيق ذلك، فسيكون قد سجل صفحة جديدة في تاريخ موريتانيا السياسي، أما إذا اقتصر على تبادل المواقف دون نتائج عملية، فستبقى الآمال معلقة، وسيظل الإصلاح مؤجلًا إلى موعد آخرقد لا يتاح له ما حظي به هذا الحوار من متابعة ورعاية واهتمام كبيرين من لدن فخامة رئيس الجمهورية، وفرقاء السياسة، وعامة الشعب.









