رقمنة التعيينات… حين تصبح الكفاءة طريقًا إلى الدولة

 

أخبار اليوم.    ليس من قبيل المصادفة أن تبدأ الدول إصلاحها الحقيقي من حيث يبدأ الفساد؛ من بوابة الولوج إلى الوظيفة العامة، ومن طريقة إسناد المسؤوليات. فالقرارات الكبرى لا تصنعها القوانين وحدها، وإنما يصنعها الرجال والنساء الذين يتولون تنفيذها. وإذا اختل معيار الاختيار، فلن تستقيم بعده مؤسسة، ولن ينجح مشروع، ولن تؤتي الخطط ثمارها مهما بلغت دقتها.

لقد شكلت رقمنة المسابقات في موريتانيا خطوة إصلاحية جديرة بالإشادة، لأنها لم تكتف بتسريع إعلان النتائج، وإنما وجهت ضربة مؤثرة لثقافة الوساطة والمحسوبية، ورسخت مبدأ تكافؤ الفرص، وأعادت شيئًا من الثقة بين المواطن والإدارة.

غير أن هذا النجاح يظل ناقصًا ما لم تمتد الرقمنة إلى الحلقة الأهم في منظومة الإدارة، وهي التعيينات في الوظائف القيادية.

فكيف نقبل أن يخضع الولوج إلى وظيفة متوسطة لمعايير دقيقة، بينما يبقى الوصول إلى أعلى المناصب الإدارية رهينًا لتقديرات لا يعرف الناس أسسها، ولا يطلعون على معاييرها؟

إن الدولة الحديثة لا تقوم على الأشخاص، وإنما على المؤسسات، والمؤسسات لا تُبنى إلا حين يكون الاختصاص هو معيار الاختيار، والكفاءة هي الطريق إلى المسؤولية، والخبرة هي جواز المرور إلى مواقع القرار.

إن الحاجة أصبحت ملحة لإنشاء منظومة وطنية رقمية للتعيينات، تشمل المستشارين في رئاسة الجمهورية، والوزارة الأولى، وسائر القطاعات الوزارية، ووظائف التفتيش والرقابة، والمديرين المركزيين، ورؤساء المصالح، ورؤساء مجالس إدارة المؤسسات والشركات العمومية، بحيث تُعلن شروط كل وظيفة، وتُحدد معاييرها، ويُقيَّم المترشحون وفق مؤهلاتهم العلمية، وخبراتهم المهنية، وسيرهم الوظيفية، وإنجازاتهم، وقدراتهم القيادية، ثم يُرتبون وفق الاستحقاق، لا وفق النفوذ.

إن مثل هذا النظام لن يقيد صلاحيات السلطة التنفيذية، وإنما سيمنحها قوة أخلاقية وقانونية أكبر، وسيحرر المسؤول من ضغوط الوساطات والتوصيات، لأن القرار سيكون محكومًا بمعايير معلنة، لا بأهواء متغيرة.

وسيغلق هذا المسار بابًا واسعًا من أبواب المحسوبية والزبونية، ويضع حدًا لمشهد طالما أثار استغراب الرأي العام؛ أن يتولى إدارة مؤسسة أو قطاع حساس شخص لم يعرف قبل ذلك تجربة إدارية أو مهنية تؤهله لهذه المسؤولية، وإنما انتقل إليها قفزًا، بينما تُهمَّش كفاءات راكمت العلم والخبرة وخدمة الدولة سنوات طويلة.

ولا يتعلق الأمر بالانتقاص من أي مهنة شريفة، فكل عمل مباح محل احترام وتقدير، ولكن لكل وظيفة شروطها، ولكل مسؤولية أدواتها، وإدارة المال العام ليست مجالًا للتجريب، ولا ميدانًا للمجاملات.

ولعل أخطر ما يترتب على غياب المعايير أن تتحول بعض المناصب إلى أبواب للامتيازات لا للمسؤوليات، فتتضخم أعداد المستشارين والمكلفين بمهام، وتُصرف الرواتب والعلاوات دون مردودية حقيقية، ويصبح المنصب وسيلةً للتكريم أو الترضية، بدل أن يكون تكليفًا لخدمة الوطن.

وليس خافيًا أن سوء الاختيار هو المدخل الأول لسوء التسيير، وأن كثيرًا من صور هدر المال العام تبدأ من تعيين غير الأكفاء في مواقع القرار. ففاقد الخبرة يستعين بغير أهل الخبرة، ويتخذ قرارات مرتجلة، ويصبح المال العام ضحية الجهل قبل أن يكون ضحية الفساد.

وقد سبق الإسلام إلى تقرير هذا المبدأ قبل أن تعرفه النظم الإدارية الحديثة، فجعل الولاية أمانة، وربطها بالأهلية والكفاءة، وحذر من إسنادها إلى غير مستحقيها. وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وليس المقصود بالساعة هنا نهاية العالم وحدها، وإنما التحذير من أن ضياع الأمانة إيذان بانهيار العمران واختلال أحوال الأمم.

إن الأمم لا تنهض بالموارد وحدها، وإنما تحسن استثمارها بالكفاءات. وقد تمتلك دولة ثروات هائلة، لكنها تعجز عن تحويلها إلى تنمية لأنها لم تضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بينما تحقق دول أقل إمكانات نجاحًا باهرًا لأنها جعلت الكفاءة فوق كل اعتبار.

لقد آن الأوان لأن تصبح رقمنة التعيينات مشروعًا وطنيًا، لا يقل أهمية عن رقمنة المسابقات، وأن يكون الاستحقاق هو المعيار الوحيد للوصول إلى مواقع المسؤولية، حتى يشعر كل مواطن أن مستقبله تصنعه كفاءته، لا علاقاته، وأن خدمة الوطن شرف لا يناله إلا من كان أهلًا له.

فحين تصبح الشفافية قاعدة، والكفاءة قانونًا، والرقمنة حارسًا للعدالة، نكون قد وضعنا حجر الأساس لدولة المؤسسات، وأغلقنا واحدًا من أكبر أبواب الفساد، وفتحنا في المقابل بابًا واسعًا للأمل، ولنهضة وطن يستحق أن تُدار شؤونه بأفضل أبنائه، لا بأقربهم إلى دوائر النفوذ.

بقلم: حمادي أباتي

  • Related Posts

    المجلس العام للبنك المركزي الموريتاني يعقد اجتماعه الدوري

      أخبار اليوم.   اجتمع المجلس العام للبنك المركزي الموريتاني  (الجمعة 10 يوليو 2026) بنواكشوط، برئاسة السيد محمد الأمين الذهبي، محافظ البنك. واستعرض المجلس مستوى التقدم في المشاريع الاستراتيجية للبنك، ووضعية…

    اقرأ المزيد

    السنغال تتأهب لموجة أمطار غزيرة وعواصف رعدية بين 12 و18 يوليو

    أخبار اليوم.   أعلنت الوكالة الوطنية للطيران المدني والأرصاد الجوية في السنغال (ANACIM) توقعاتها بتسجيل موجة من الأمطار الغزيرة المصحوبة بعواصف رعدية ستؤثر على معظم أنحاء البلاد خلال الفترة الممتدة من…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية