أخبار اليوم. في المطالبة بإلحاق الناجحين من البيولوجيين المساعدين: انتصارٌ للعدالة، وتعزيزٌ للأمن الصحي
لا تُقاس هيبة الدول بما تشيده من عمران فحسب، وإنما بما تُشيّده من ثقة في نفوس مواطنيها. والثقة لا تُبنى بالخطب ولا بالشعارات، وإنما تُبنى حين يطمئن المواطن إلى أن مستقبله مرهون بعلمه واجتهاده، وأن الوظيفة العمومية بابٌ لا يُفتح إلا بالمنافسة الشريفة، ولا يُغلق إلا في وجه من قصّر، لا في وجه من استحق.
ولقد شكّل اعتماد الحكومة للرقمنة الكاملة في مسابقات الاكتتاب العمومي منعطفًا إصلاحيًا بالغ الدلالة، استحق الإشادة والتقدير؛ لأنه لم يكن مجرد تطوير تقني لإجراءات الامتحانات، بل كان إعلانًا صريحًا عن ميلاد مرحلة جديدة، عنوانها الشفافية، وركيزتها تكافؤ الفرص، وغايتها القطع مع إرثٍ طويل من الزبونية والمحسوبية التي أضعفت الإدارة، وأهدرت الطاقات، وأساءت إلى صورة الدولة وهيبتها.
وقد استقبل الموريتانيون هذه الخطوة بارتياح، لأنها أعادت الاعتبار لقيمة الاستحقاق، ورسخت الأمل في أن الكفاءة بدأت تستعيد مكانتها الطبيعية معيارًا وحيدًا للولوج إلى الوظيفة العمومية، انسجامًا مع أحكام الدستور التي تكرس المساواة بين المواطنين، وتُلزم الدولة بإقامة العدل وصون الحقوق، ومع مبادئ الحكامة الرشيدة التي جعلتها السلطات العمومية عنوانًا لمرحلة الإصلاح.
غير أن الإصلاح لا يبلغ كماله إلا إذا اقترنت نزاهة المسابقة بحسن استثمار نتائجها؛ إذ لا يكفي أن تُنصف الدولة الكفاءة في قاعة الامتحان، ثم تعجز عن الإفادة منها في ميادين العمل.
لقد أعلنت وزارة الصحة عن اكتتاب 997 موظفًا في مختلف التخصصات الصحية، من بينها خمسون بيولوجيًا، وأربعون بيولوجيًا مساعدًا، ومائتان وخمسون ممرض دولة، ومائتان وخمسون قابلة، وثلاثة عشر مهندسًا بيوطبيًا، إضافة إلى تخصصات أخرى.
وفي مسابقة البيولوجيين المساعدين، تقدم أكثر من ألف وستين مترشحًا، ولم ينجح سوى مائة مترشح بعد منافسة علمية دقيقة، وهو ما يدل على أن النجاح لم يكن منحة، وإنما كان ثمرة جدارة علمية واستحقاق حقيقي.
ومن بين هؤلاء الناجحين، يوجد ستون مترشحًا حصلوا على معدل عشرة من عشرين فما فوق، وهو معيار أكاديمي معتبر يثبت أنهم استوفوا شروط النجاح، وأثبتوا امتلاكهم الكفاءة التي تحتاج إليها المنظومة الصحية.
إن المطالبة بإلحاق هؤلاء ليست مطالبة بتجاوز القانون، ولا التفافًا على نتائج المسابقة، بل هي دعوة إلى تفعيل روح القانون، وإعمال مقاصده، وتغليب المصلحة العامة على الجمود الإداري.
ذلك أن العدد الإجمالي المخصص لوزارة الصحة لم يُستغل بالكامل، كما أن الحاجة إلى الكفاءات المخبرية أصبحت اليوم أشد من أي وقت مضى، في ظل ما يشهده العالم من أوبئة وأمراض فيروسية، وما تتطلبه من تشخيصات دقيقة لا تقوم بها إلا مختبرات مجهزة، يشرف عليها مختصون أكفاء.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الطبيب لا يستطيع أن يباشر علاجه بثقة إلا إذا سبقه البيولوجي إلى كشف الحقيقة العلمية الكامنة في العينة المخبرية. ومن هنا، فإن البيولوجي المساعد ليس موظفًا ثانويًا في المنظومة الصحية، بل هو شريك أساسي في حماية حياة الإنسان وصيانة الصحة العامة.
ويكتسب هذا الطلب بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا إضافيًا إذا علمنا أن عددًا من هؤلاء الناجحين كانوا يؤدون مهامهم داخل مؤسسات وزارة الصحة بموجب عقود عمل، ثم انتهت تلك العقود تنفيذًا لقرار حكومي يقضي بوقف التعاقد. ولم يكتفوا بما راكموه من خبرة، بل عادوا إلى ساحة التنافس، وخضعوا لمسابقة وطنية شفافة، وانتزعوا النجاح عن جدارة.
فأي رسالة أبلغ من أن تكافئ الدولة أبناءها الذين جمعوا بين الخبرة، والكفاءة، والنجاح في امتحان نزيه؟
وليس هذا الطلب بدعًا من السوابق الإدارية؛ فقد شهد قطاع التهذيب الوطني حالة مماثلة، عندما أعلنت الوزارة اكتتاب عدد محدد من مقدمي الخدمات، ثم نجح في المسابقة عدد يفوق الحاجة المعلنة، ولما تبينت الحاجة إلى تلك الكفاءات، جرى التعاقد مع جميع الناجحين، فكان القرار انتصارًا للمصلحة العامة قبل أن يكون إنصافًا للأفراد.
واليوم، تبدو وزارة الصحة أحوج ما تكون إلى اتخاذ خطوة مماثلة، ليس استجابةً لمطلب فئة، وإنما استجابةً لمصلحة وطن، لأن الاستثمار في الكفاءات الوطنية أقل كلفة من التفريط فيها، وأعظم أثرًا من البحث عنها بعد ضياعها.
إن الدولة التي انتصرت للكفاءة في الامتحان، مطالبة اليوم بأن تنتصر لها في القرار.
فالكفاءة التي تُترك على أبواب الانتظار، بينما المؤسسات في أمس الحاجة إليها، تتحول من طاقة بناء إلى شعور بالإحباط، ومن رصيد للدولة إلى خسارة لها.
ومن هنا، فإننا نتوجه إلى فخامة رئيس الجمهورية، وإلى معالي الوزير الأول، وإلى معالي وزير الصحة، بنداء تغلب فيه لغة العقل على لغة العاطفة، والثقة على الارتياب، راجين أن يُتخذ قرار شجاع بإلحاق الستين من البيولوجيين المساعدين الذين أثبتوا كفاءتهم، ليكون ذلك استكمالًا لمسار الإصلاح، وترجمة عملية لشعار العدالة، وتجسيدًا حقيقيًا لمبدأ تكافؤ الفرص.
إن الأمم لا تنهض إلا حين تجعل الكفاءة رأس مالها الأول، ولا تحفظ مؤسساتها هيبتها إلا حين يشعر المواطن أن الدولة إذا امتحنته بعدل، كافأته بعدل.
ولعل أجمل ما يمكن أن تختم به الحكومة هذا المسار الإصلاحي، أن تثبت بالفعل قبل القول أن الشفافية ليست وسيلة لاختيار الأكفاء فحسب، وإنما هي أيضًا إرادة سياسية لاستثمارهم في خدمة الوطن.
حمادي سيدي محمد آباتي









