تشييع خامنئي.. جنازة تتجاوز الوداع إلى رسائل القوة والسياسة/بقلم: تماد إسلم أيديه

أخبار اليوم.  لم يكن تشييع المرشد الإيراني الراحل ، علي خامنئي، مجرد مراسم جنائزية ذات طابع ديني أو شعبي، بل مثّل حدثًا سياسيًا وإعلاميًا بالغ الدلالة، حمل في طياته رسائل متعددة إلى الداخل الإيراني وإلى القوى الإقليمية والدولية. ففي الأنظمة ذات الطبيعة الثورية، لا تُقرأ الجنازات الكبرى بوصفها مناسبات للعزاء فحسب، وإنما باعتبارها محطات لإعادة إنتاج الشرعية، وإظهار التماسك، ورسم ملامح المرحلة المقبلة.
حرصت السلطات الإيرانية على أن تبدو مراسم التشييع صورةً لدولة متماسكة ومؤسسات قادرة على إدارة مرحلة انتقالية حساسة، بعد فترة اتسمت بالتوترات العسكرية والسياسية. فالحشود الضخمة، والتنظيم المحكم، والانتشار الأمني الواسع، كلها عناصر أُريد لها أن تقدم رسالة مفادها أن الدولة ما زالت تملك زمام المبادرة، وأن الضغوط الخارجية لم تنجح في إضعاف بنيتها أو زعزعة تماسكها.
وفي الداخل، سعت القيادة الإيرانية إلى توظيف المناسبة لتعزيز مفهوم الوحدة الوطنية، وربط المشاركة الشعبية بالدفاع عن السيادة والاستقلال، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وعقوبات دولية واستقطابًا سياسيًا. وقد جاءت تصريحات المسؤولين الإيرانيين لتؤكد أن الحضور الجماهيري يمثل تعبيرًا عن الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، ورسالة بأن إيران قادرة على حماية أمنها ومواصلة نهجها السياسي.
أما على الصعيد الخارجي، فقد حملت مراسم التشييع أبعادًا تفاوضية واضحة. فإظهار ملايين المشاركين في الشوارع يُراد منه تعزيز الموقف الإيراني في أي مفاوضات مستقبلية، وإقناع الخصوم بأن الضغوط العسكرية أو الاقتصادية لم تُفضِ إلى إضعاف النظام أو فقدانه الحاضنة الشعبية. ومن هذا المنطلق، تتحول الصورة الإعلامية للحشود إلى ورقة سياسية لا تقل أهمية عن أدوات القوة التقليدية.
في المقابل، لم تغب الحرب الإعلامية عن المشهد. فقد سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التقليل من دلالة الحشود، مشككًا في صدقية المشاعر التي أظهرتها مراسم التشييع، ومعتبرًا أن البكاء قد لا يعكس بالضرورة تأييدًا سياسيًا.
كما ربط بين انتهاء المراسم وإمكانية استئناف المسار التفاوضي، في إشارة إلى أن واشنطن كانت تراقب الحدث باعتباره محطة سياسية لا مجرد مناسبة داخلية.
وتكشف هذه المواقف المتباينة أن المعركة بين طهران وواشنطن لم تعد تقتصر على العقوبات أو المواجهة العسكرية غير المباشرة، بل تمتد أيضًا إلى ميدان الصورة والرواية. فبينما تسعى إيران إلى تقديم مشهد يوحي بالتماسك والقدرة على تجاوز الأزمات، يحاول خصومها التقليل من قيمة تلك الرسائل والتشكيك في دلالاتها.
ورغم أن حجم المشاركة الشعبية في مثل هذه المناسبات لا يمكن اعتباره وحده مؤشرًا حاسمًا على مستوى التأييد السياسي، فإنه يظل عنصرًا مهمًا في حسابات الأنظمة السياسية، خصوصًا في منطقة تتداخل فيها الرمزية الدينية مع الشرعية الثورية والحسابات الجيوسياسية.
في المحصلة، لم يكن تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي نهاية لحقبة سياسية فحسب، بل شكّل بداية لمرحلة جديدة يسعى فيها النظام الإيراني إلى إعادة تثبيت صورته داخليًا، وتعزيز موقعه التفاوضي خارجيًا، وإقناع العالم بأن انتقال السلطة لن يفضي إلى فراغ أو اضطراب، بل إلى استمرار مؤسسات الدولة ونهجها السياسي.
وفي النهاية، تؤكد هذه المراسم أن الأحداث الكبرى في إيران لا تُدار بوصفها مناسبات بروتوكولية فحسب، بل تُستثمر أيضًا لإيصال رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود البلاد. وفي منطقة تتشابك فيها السياسة مع الرمزية، تتحول الجنازات الكبرى إلى أدوات للتأثير في الرأي العام، وإعادة رسم موازين القوة، بقدر ما تكون مناسبات للوداع.
بقلم: تماد إسلم أيديه
صحفية وباحثة في الشأن العام

  • Related Posts

    جبهة تحرير أزواد تعلن إطلاق سراح 82 عسكريا من الجيش المالي

    أخباراليوم. – أعلنت جبهة تحرير أزواد (FLA)، اليوم الخميس، إطلاق سراح 82 عسكريا من الجيش المالي، قالت إنهم أُسروا خلال مواجهات مع القوات المالية وحلفائها بين عامي 2023 و2026، مشيرة…

    اقرأ المزيد

    والي آدرار يعاين التحضيرات للمهرجان الدولي للتمور

    أخبار اليوم.   أدى والي آدرار، السيد عبد الله ولد محمد محمود، اليوم الخميس، زيارة تفقدية للأجنحة المخصصة لفعاليات النسخة الخامسة من المهرجان الدولي للتمور الموريتانية، المقرر تنظيمها في مدينة أطار…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية