حين يصبح توقيت العدالة موضع اتهام: ردّاً على قراءة مختار نافع لوثيقة الإرث الإنساني

 

أخباراليوم.    ما كتبه الباحث مختار نافع حول وثيقة الشخصيات الوطنية المتعلقة بملف الإرث الإنساني، ولاحظت أن جوهر اعتراضه لم ينصب فقط على مضمون الوثيقة، بل على توقيتها وعلى خلفيات أصحابها. وهنا يبرز سؤال أساسي: هل يصبح فتح ملفات المظالم مرتبطاً بظرف سياسي معيّن، أم أن تراكم القضايا المؤجلة يفرض نفسه كلما سنحت فرصة لإعادة طرحها؟

إن القول إن توقيت الوثيقة جاء متزامناً مع مساعٍ رسمية لطيّ ما يُعتبر من أخطر الجرائم في تاريخ البلد، يحتاج أولاً إلى تحديد: ما هو هذا الملف الذي يوصف بالأخطر؟ وهل كانت كل التسويات السابقة قد أنهت فعلاً كل جوانب القضية؟ أم أنها عالجت بعض الأوجه وتركت أسئلة عالقة لدى قطاعات من المتضررين؟

ثم إن تجدد المطالبة لا يعني بالضرورة وجود توظيف سياسي. فقد تكون الظروف الاقتصادية الصعبة للبلد، وانشغال الناس بأولويات المعيشة، من أسباب تأخر بعض المطالب. لكن حين يشعر المواطنون أن موارد الدولة تُستخدم أحياناً في ترتيبات هدفها تثبيت نمط سياسي معين، فقد يدفع ذلك البعض إلى إعادة طرح قضايا يرون أنها لم تجد حلاً عادلاً.

أما اختزال الوثيقة في كونها صادرة عن “التيار القومي” فقط، فهو تبسيط لا يخدم النقاش. فالموقعون ينتمون إلى خلفيات مختلفة، ومن بينهم من كانت له علاقات أو تقاطعات سابقة مع تيارات أخرى، بما فيها التيارات الإسلامية والفاعلون الزنوج أنفسهم. لذلك فإن وضع الجميع في خانة أيديولوجية واحدة يضيّق النقاش بدل أن يوسّعه.

كما أن التساؤل عن عدم ورود مظالم فئات أخرى، مثل الاعتقالات التي تعرض لها الإسلاميون أو اليساريون، قد يكون مهماً من حيث شمولية العدالة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإسقاط المطالب المطروحة. فالإنصاف لا يكون بإلغاء ملف لأن ملفاً آخر لم يُذكر، بل بتوسيع دائرة البحث عن الحقيقة لتشمل الجميع.

أما الحديث عن اللغة التفريقية في الوثيقة، فهو أمر يستحق النقد إن وُجد، لأن أي خطاب عن الذاكرة الوطنية يجب أن يبتعد عن التصنيفات التي تعيد إنتاج الانقسام. لكن من غير المنصف تحويل كل إشارة إلى هوية أو انتماء إلى مشروع تقسيمي، خصوصاً في سياق تاريخي كانت فيه الانتماءات الاجتماعية حاضرة في توصيف الأحداث والضحايا.

المفارقة أن البعض يتهم الآخرين باستدعاء الانقسامات، بينما يستخدم هو نفسه لغة تصنيفية في قراءة المشهد. فالوحدة الوطنية لا تُبنى بإنكار الجراح ولا باحتكار حق الحديث عنها، وإنما بالاعتراف المتبادل بأن المظالم حين تتراكم تحتاج إلى معالجة عادلة لا إلى تبادل الاتهامات.

فالخلاف الحقيقي ليس حول من يملك حق الكلام، بل حول كيفية الوصول إلى مصالحة لا تُبنى على النسيان ولا على الانتقائية.

حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    وزير الدفاع يبحث مع وفد من حلف “الناتو” تعزيز التعاون العسكري

    أخبار اليوم.  بحث وزير الدفاع وشؤون المتقاعدين وأولاد الشهداء، حنن ولد سيدي، اليوم، مع وفد من حلف شمال الأطلسي “الناتو”، برئاسة الجنرال ماسيمو سبادافيكيا، سبل تعزيز وتطوير التعاون العسكري بين…

    اقرأ المزيد

    الأمين العام وكالة يترأس الطاولة المستديرة حول الصحة وتغير المناخ

    أخبار اليوم.   ترأس المستشار المكلف بالشؤون القانونية، الأمين العام للوزارة وكالة صلاح الدين محمد العباس، صباح اليوم الاثنين 28 سبتمبر 2026، الطاولة المستديرة حول: «الصحة وتغير المناخ: مواطن الهشاشة والسياسات…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية