عبد الله محمدي يكتب  : السنغال… سرديات النزاع على السلطة

أخبار اليوم.   في ظاهر المشهد الذي تابعه السنغاليون، كان الأمر يتعلق باحتفال وطني بمئوية الرئيس الأسبق عبد الله واد، أحد أبرز وجوه الحياة السياسية في البلاد خلال العقود الأخيرة. لكن في السياسة، نادراً ما تكون المناسبات الرمزية مجرد مناسبات بروتوكولية. فخلف كلمات التكريم واستحضار الذاكرة الوطنية، غالباً ما تختبئ رسائل سياسية موجهة إلى الحاضر أكثر مما تتعلق بالماضي.

 

بدت هذه الحقيقة جلية في الخطاب الذي ألقاه الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي خلال الاحتفال. فالمناسبة التي جمعت النخبة السياسية والإدارية والثقافية في العاصمة، داكار، تحولت إلى فرصة نادرة للرئيس لمخاطبة شريكه السابق ورئيس الجمعية الوطنية الحالي، عثمان سونكو، دون أن يضطر إلى ذكر اسمه ولو مرة واحدة.

 

كان الرئيس ديوماي يستحضر سيرة الرئيس الأسبق عبد الله واد، الذي اختبر خلال مسيرته السياسية تجربة معارضة بنّاءة وعاقلة لمدة ربع قرن، قبل أن تمنحه صناديق الاقتراع فترة حكم امتدت من سنة 2000 إلى 2012، لكنه كان يتحدَّث أيضاً عن الحاضر. كان يروي قصة رجل عرف السجن والمنفى والمواجهة مع السلطة، وخاض من خلال حزبه معارك سياسية طويلة قبل أن يصل إلى الرئاسة وهو في منتصف الثمانينات من عمره، لكنه في الوقت ذاته كان يضع أمام الرأي العام نموذجاً محدداً لرجل الدولة كما يراه هو.

 

فعبد الله واد لم يدخل الذاكرة السنغالية فقط لأنه وصل إلى الحكم بعد عقود من المعارضة، بل لأنه قبِل أيضاً قواعد اللعبة الديمقراطية حين خسر السلطة عبر صناديق الاقتراع. لقد تحوَّل في المخيال السياسي السنغالي إلى رمز للانتقال السلمي، والتعايش مع الخصوم، واحترام المؤسسات، وهي الصفات التي حرص ديوماي على إبرازها في خطابه.

 

ولم يكن من الصعب على المتابعين الربط بين هذه الإشارات وبين الأزمة السياسية التي تعيشها قمة السلطة منذ إقالة عثمان سونكو من رئاسة الوزراء وانتقاله إلى رئاسة الجمعية الوطنية. فالرئيس لم يوجه انتقاداً مباشراً إلى سونكو، ولم يهاجم مواقفه، لكنه وضع أمامه مرآة سياسية تعكس نموذجاً مختلفاً للقيادة ولإدارة الخلافات.

 

لقد بدا وكأن الرئيس ديوماي يقول إن التاريخ لا يتذكر فقط الذين يصلون إلى السلطة، بل أيضاً الطريقة التي يمارسون بها هذه السلطة ويغادرون بها مواقعهم. ومن خلال استحضار تجربة عبد الله واد، كان يدعو بصورة غير مباشرة إلى تغليب منطق الدولة على منطق التعبئة السياسية، ومنطق المؤسسات على منطق الزعامة الفردية.

 

غير أنَّ أهمية الخطاب لا تكمن فقط في الرسالة الموجهة إلى سونكو بشكل غير مباشر، بل أيضاً في الصورة التي أراد ديوماي رسمها لنفسه. فمنذ وصوله إلى الرئاسة، ظلَّ كثيرون ينظرون إليه بوصفه الرجل الذي أوصله سونكو إلى القصر الرئاسي. أما اليوم، فيبدو أن الرئيس يسعى إلى ترسيخ شرعيته الخاصة وتقديم نفسه بوصفه رجل الدولة الذي يتحدث باسم الأمة لا باسم تيار سياسي، أو حزب بعينه.

 

ولهذا اختار لغة هادئة ومؤسساتية، بعيدة عن السجال والمواجهة المباشرة. لم يتحدث عن الخلافات القائمة، بل عن التاريخ وعن المغزى الكامن خلفه. ولم يناقش الأزمة السياسية الراهنة، بل استحضر تجربة رجل واجه أزمات أكبر وخرج منها أكثر قوة، وهي الرسالة التي كانت واضحة بما يكفي لكي يفهمها الجميع.

 

ومع ذلك، فإنَّ الخطأ سيكون في الاعتقاد بأنَّ خطاباً واحداً قادر على حسم ميزان القوى داخل السلطة. فسونكو ما زال يحتفظ بحضور شعبي قوي، ونفوذ معتبر داخل الأغلبية الحاكمة، كما أنَّ رئاسته للجمعية الوطنية تمنحه منصة سياسية لا تقل أهمية عن أي موقع آخر. لذلك فإن ما جرى في المسرح الكبير بدا أقرب إلى افتتاح فصل جديد من الصراع الرمزي بين الرجلين منه إلى إعلان نهاية هذا الصراع.

 

لقد استغل ديوماي مناسبة مئوية عبد الله واد ليبعث برسالة سياسية محكمة البناء. رسالة مفادها بأن السلطة لا تُقاس فقط بحجم التأييد الشعبي، بل أيضاً بالقدرة على التحول إلى رجل دولة. لكن افتراض ما إذا كانت هذه الرسالة ستنجح في إعادة رسم العلاقة بين الرجلين أم لا، فذلك أمر ستجيب عنه التطورات السياسية المقبلة.

 

لذلك، فالسنغال تبدو اليوم أمام ثنائية جديدة: رئيس يسعى إلى تثبيت سلطة المؤسسات، وزعيم شعبي لا يزال يتمتع بنفوذ واسع داخل الشارع والحركة السياسية التي صنعت التغيير. وبين القطبين المتصارعين، يطل شبح عبد الله واد من ذاكرة التاريخ، لا بوصفه رئيساً أسبق فقط واجه التحديات نفسها، بل بوصفه نموذجاً يحاول كل طرف أن يستدعيه لصالح سرديته، ولتثبيت رؤيته الخاصة لحاضر ومستقبل السنغال

  • Related Posts

    خصلتان بارزتان في الرئيس محمد ولد الغزواني ماموني ولد مختار

    أخبار اليوم.   بصفتي مراقبا حريصا على متابعة الشأن العام، ولا سيما ما يتعلق برئيس الجمهورية، بوصفه مركز القرار والاهتمام في الدولة، تابعت، منذ خطاب الترشخ، مارس 2019، خطابات الرئيس محمد…

    اقرأ المزيد

    موريتانيا وفرنسا تبحثان تسريع تنفيذ المشاريع الممولة بالتعاون مع الوكالة الفرنسية

    أخباراليوم.  بحث وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية، عبد الله ولد سليمان ولد الشيخ سيديا، مع السفير الفرنسي إيمانويل بيسنييه ووفد من الوكالة الفرنسية للتنمية، تقدم تنفيذ البرامج والمشاريع الممولة بالتعاون مع…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية