قراءة هادئة في “زمن العبور الهادئ”/ حنفي ولد دهاه

أخبار اليوم.    أنهيت للتو قراءة “زمن العبور الهادئ: حكاية الانتقال الديمقراطي في موريتانيا” الذي أهداني إياه، مشكوراً’ مؤلفه الوزير الأول الأسبق، المثقف و الأديب الأريب، سيدي محمد ولد بوبكر.. حفظه الله..

لقد جاء الكتاب لطيف الحجم في 207 صفحات، قدّمها العسكري المثقف الشيخ سيد أحمد ولد باب مين، ولعل المؤلف كان ذكياً في انتدابه لتلك المهمة، لما يمثله من رمزية في هذا الصدد، فقد كان رئيس الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، خلال الفترة الانتقالية، التي أراد الكتاب توثيقها، كما أنه يضارع رئيسها المرحوم اعل ولد محمد فال في ثقافته و تحضره، و في كونه عسكرياً بوجدان مدني، عُرف عنه احترامه للقانون والمؤسسات مع ابتعاده في ممارساته عن الذهنية السلطوية..

لم تخف الميول الأدبية في أسلوب ولد بوبكر ، رغم أنه لم يهتم كثيراً، كما يبدو، بتكلف الأبهة اللفظية، فجاءت عباراته عفوَ الخاطر، من غير تشقيق ولا ترسيل.. فكان حسن النحيزة، مطبوع العبارة، مفهوم الإشارة..

إذا  كان ولد بوبكر موفقاً في اختيار عسكري بروح مدنية لتقديم كتاب عن العبور بانقلاب عسكري من مرحلة “ديكتا-ديموقراطية” إلى مرحلة ديمقراطية حلم، فقد كان ولد محمد فال رحمه الله موفّقاً أيضاً في اختيار وزير أول لتلك المرحلة، مدني، غير أن “والده ضابط صف في الجيش الوطني” وقد نشأ -كما قال في الصفحة 19 من كتابه- “بين الجنود الذين عرفهم جيداً، وكنّ لهم الكثير من العطف و الاحترام و تعلم منهم قيم الانضباط و الولاء”..

ولعل هذه الإزدواجية بين “المدنية” و “العسكرية”،  التي تطبع أيضا شخصية ولد محمد فال و ولد باب مين وروح المرحلة الانتقالية، هي التي تجعل الكاتب يسوق التبريرات لبعض الانقلابات العسكرية، معتبراً أن “الإنصاف يقتضي الإقرار بأن الجيش في موريتانيا، جاء، في بعض الأحيان، على أثر انسداد عسكري يهدد كيان الدولة ومستقبلها” ومعرباً عن ما يمكن اعتباره تفهماً لـ “قرار مجموعة من الضباط عزل المختار ولد داداه بحجة إخراج البلاد من مستنقع حرب الصحراء” (ص 18).

وفي رأيي، فقد يثير وصف الكتاب لهذه الحرب بـ “المستنقع” جدلاً، إذ لايمكن اعتباره وصفًا محايدًا، بل يحمل حمولة سياسية وتفسيرية واضحة. ولهذا قد يحاجج البعض بأن مشاركة موريتانيا في الحرب، آنذاك، لم تكن مغامرة خارجية أو مشروعًا توسعيًا، بل دفاعًا عن جزء من أراضيها وسيادتها الوطنية بعد اتفاقية مدريد وتقاسم الإقليم مع المغرب. ومن هذا المنظور، قد يرى الراؤون  أن وصف الحرب بـ”المستنقع” يتجاهل سؤال الشرعية الذي استندت إليه الدولة الموريتانية في ذلك الوقت، ويختزل الصراع في نتائجه وتكاليفه فقط..

في المقابل، يمكن لمستخدم هذا الوصف الاستناد إلى وقائع موضوعية: فقد انهار الاقتصاد الموريتاني فعلاً، وتعرضت مدن ومنشآت حيوية لهجمات متوالية، ودارت رحى الحرب أحياناً في قلب العاصمة نواكشوط، فساهمت في إنهاك الدولة الفتية وإضعاف النظام السياسي الذي انتهى بسقوطه.

ومن هذه الزاوية، لاتكون كلمة “مستنقع” حكمًا على شرعية الحرب بقدر ما هي توصيف لمآلاتها العملية..

و رغم هذا “الوصف” الذي يدين الحرب، و يتفهم الانقلاب، إلا أن الكاتب ينسب لـ “صديقه” الإداري المخضرم محمد فال ولد عبد اللطيف “تفاجؤه بنبرة ولد بوبكر القاطعة في التأكيد على الطابع غير القانوني لانقلاب 10 يوليو” (ص20)..

الكتاب يقدم في ثناياه، منطوقاً ومفهوماً، صورة قاتمة لنظام ولد الطائع، فقد كانت “ديمقراطيته المتعثرة” مجرد “واجهة لطمأنة الخارج” (ص20) وكان الاقتصاد يتردٌى، وثقة الشركاء الدوليين تنعدم بسبب البيانات المزيفة، التي يقدمها النظام للممولين (ص 98) كما استشرت ظاهرة الإنفاق خارج الميزانية، و اللجوء المفرط لصفقات التراضي، فبلغت الإنفاقات خارجها في 2003- 2004 مبلغ 37-35 مليار أوقية، على التوالي.. أما الميزانية الرسمية فبلغت زهاء 46 مليار أوقية..

كما وصف الكاتب سجن محمد خونه ولد هيدالة في 2003 بأنه كان إثر “محاولة انقلابية مزعومة”.. وعند جهينة الخبر اليقين.!

هذا بالإضافة لحديثه عن تردي واقع العدالة و استقلالية القضاء، و التعايش السلمي وحقوق الإنسان و حرية الصحافة، والشفافية الانتخابية، و الدبلوماسية الدولية والعلاقات مع دول الجوار..

و مما أُكبِره في المؤلف صراحته في التعبير عن مآخذه على نظام كان جزءً منه، و أي جزء.!.. و إن انتحى في آخر أيامه جانباً، واتخذ سيفاً من خشب..

يتحدث ولد بوبكر بتحفظ في بعض الفقرات عن نظام ولد الطائع، فيقدم للصراحة رجلاً ويقدٌم أخرى -ربما- لسابق الألفة و المودة، غير أنه يستبدل إحجاماً بإقدام، في فقرات أخرى من الكتاب، و كأن هول التجاوزات يخرجه من طوره..

ولعل “التسويد” (المنصف في رأيي) لنظام ولد الطائع كان توطئة، وشكلاً منطقيا يصدق تاليه بصدق المقدّم،  لـ “تبييض” المرحلة الانتقالية، التي نجح الكاتب، إلى حد ممارسة السحر، في إقناعنا باعتبارها “المرحلة الذهبية” الأنصع في تاريخ موريتانيا السياسي.. وقد خرجت من قراءة الكتاب بنتيجة قطعية: أنها فعلاً كانت كذلك:

فقد كانت مرحلة تشكيل حكومة تكنوقراط بالغة الكفاءة، أصلحت “قواعد اللعبة” “الديمقراطية  المتعثرة”، و منحت “ضمانات الحياد” وروضت حُرُن “التحديات” و شكلت “لجاناً تأسيسية” للعمل على “الإصلاحات الدستورية” و بسطت “الحقوق والحريات” و أصلحت “العدالة” (أو لنقل حاولت.!) و نظمت “حواراً سياسيا” و سنّت فضيلة التشاور، و أرست دعائم دولة القانون، و الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، فكان التناوب السلمي و “التعافي الاقتصادي” و “الإشادة الدولية” بأنْ “أنجز حرّ ما وعد”..

ولم يوارب المؤلف في اعترافه بدور “الضغوطات الخارجية” في تقديم الانقلابيين لوعودهم وفي حرصهم على الوفاء بها.. رغم تحفظه الظاهر في توضيح أمور كثيرة..

يمكن اعتبار  الكتاب أقرب لتقرير إداري، من مذكرات مرحلة، فهو يحجم كثيرا في مناقشة التفاصيل، خلاف ما نتعود عليه من كتّاب مثل هيلاري كلينتون في كتابها “الخيارات الصعبة” و بطرس غالي في “بانتظار بدر البدور”  و “خمس سنوات في بيت من الزجاج”، و هنري كيسنجر في “سنوات البيت الأبيض”.. وغير ذلك..

التفاصيل هي روح المذكرات. فالتاريخ يدوّن الأحداث الكبرى: الانقلابات، الحروب، الانتخابات، السجون، ارتقاء المناصب. لكن المذكرات تكشف ما لا يقوله التاريخ الرسمي: رائحة زنزانة، ارتباك انقلابي بعد مقابلة سفير أمريكي، ارتجاف اليد عند سماع تهديد بالحصار الاقتصادي، حوار قصير يغير  المآلات، . هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح النص الحياة و المتعة.. و كتاب ولد بوبكر خلو منها تماما:

فماهو دور ولد عبد العزيز وولد الغزواني خلال الفترة الانتقالية؟. وماهو مدى تأثيرهما على قرارات ولد محمد فال؟.. ومتى بدأت الخلافات بين اعل وولد عبد العزيز؟.. وما القصة الكاملة لملحقات وود سايد؟ وما علاقة الوزير زيدان ولد احميده بها؟ وما أسباب سجنه؟ و لماذا تحفظ على ذكر اسمه في ذلك السياق؟  وكيف تم تسيير تيار المستقلين؟ وماهي ملابسات ترشيح المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله؟.. و غير ذلك..

كنا نحتاج لبعض الثرثرة ، التي ربما أرجأها الوزير الأول المُصمِت، سيدي محمد ولد بوبكر ، حتى تكون فلفلاً وبهاراً لمذكراته، التي ندعو الله أن ينسأ في عمره حتى يتحفنا بها إن شاء الله..

السؤال الذي يلح على قارئ الكتاب، هو: لماذا يكتب ولد بوبكر مذكراته (أو تقريره الإداري) عن المرحلة الانتقالية بعد زهاء عشرين عاماً من انصرامها.. وبعد أن لم تعد أحداثها رطبة في ذاكرته؟.. هل أن حساسية بعض ما تعرّض له فيها استوجب التأجيل؟.. أم أن طموحه السياسي، الذي ربما يدفع به لاقتحام وغى رئاسيات 2029 قد يكون الدافع لنفض الغبار عن تاريخ أمجاده السياسية؟..

مهما يكن الهدف فقد كان الرجل موفقاً في مرافعته عن المرحلة الانتقالية؟

  • Related Posts

    تكوين عسكريين متقاعدين حول صيانة المحركات البحرية والسف

    أخباراليوم. – نظم مركز التأهيل والتكوين في مهن الصيد (CQFMP)، دورة تكوينية لصالح ثلاثين عسكريا متقاعدا، من القوات المسلحة وقوات الأمن، على صيانة المحركات البحرية خارج السفينة (MHB)، وصناعة وصيانة…

    اقرأ المزيد

    ليبيريا تستقبل 1200 مرحّل من أميركا

    أخبار اليوم.    وافقت الحكومة الليبيرية على استقبال نحو 1200 مرحّل من الولايات المتحدة، من جنسيات متعددة، بموجب اتفاق يمتد 12 شهرا، وفق وزير الإعلام جيرولينميك بياه. وقال بياه إن…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية