من حق مموريتانيا أن تجرب أبنائها جميعا

الأستاذ أحمد ولد بيطار،

قرأتُ مقالك باهتمام، وأتفهم حرصك على الدفاع عن استمرارية الدولة ورفض تحويل النقاش السياسي إلى مجرد محاكمات للنوايا أو تصفية رمزية مع الماضي. غير أن ما تحتاجه موريتانيا اليوم يتجاوز بكثير سجالات الأغلبية والمعارضة، ويتجاوز أيضًا محاولة تبرير انتقال نفس النخب من عهد إلى آخر وكأن البلد محكوم بدائرة مغلقة لا يمكن كسرها.

إن المشكلة الحقيقية ليست في أن السياسي يغير موقفه أو يعيد تموضعه؛ فذلك أمر طبيعي في الحياة العامة. المشكلة أن الموريتانيين يرون منذ عقود نفس الوجوه، أو أبناء نفس الوجوه، تحيط بكل رئيس جديد منذ عهد الرئيس المؤسس المختار ولد داداه إلى اليوم، وكأن الوطن عقيم لا ينجب غير هذه الحلقة الضيقة التي تتلون مع كل مرحلة وتلبس لكل نظام لباسه المناسب.

لقد لازمت هذه النخبة مختلف الأنظمة، العسكرية منها والمدنية، واحتفظت دائمًا بمواقع النفوذ والقرار، حتى أصبح حضورها في الدولة أمرًا باعثًا على الملل السياسي وفقدان الثقة العامة. ولو كانت تمتلك فعلًا الكفاءة والقدرة التاريخية على الإقلاع بالبلد، لكانت موريتانيا اليوم في وضع مختلف تمامًا، خصوصًا وهي تملك ثروات بحرية ومعدنية وطاقوية هائلة. لكن الواقع يقول إن البلاد ما تزال رهينة اقتصاد ريعي هش، وتابعة للخارج في الغذاء والصناعة والخبرة والقرار الاقتصادي.

إن الدفاع المستمر عن إعادة تدوير نفس النخبة لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره “استمرارية للدولة”، بل أصبح في نظر قطاعات واسعة من الشعب أحد أسباب تعطيل الدولة نفسها. فالدول لا تُبنى بالولاءات الشخصية ولا بالشبكات المغلقة، وإنما بتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية الحقيقية.

وموريتانيا لا تعاني نقصًا في العقول ولا في الخبرات. هناك أبناء لهذا الوطن راكموا تجارب علمية ومهنية محترمة داخل البلاد وخارجها، لكنهم ظلوا مستبعدين لأنهم لا ينتمون إلى ما صار يُعرف ضمنيًا بـ”الدولة العميقة”، أو لأنهم لا يدخلون ضمن شبكات المصالح والزبونية التي تتحكم في مفاصل الإدارة والاقتصاد والسياسة.

ومن الإنصاف، بل ومن مصلحة الوطن نفسه، أن تُمنح لهذه الكفاءات فرصة حقيقية للمشاركة في تسيير الشأن العام، بعيدًا عن منطق الولاء الشخصي والاصطفاف القبلي والمصلحي. فاستمرار نفس الوجوه، وإقحام شخصيات لا تُعرف بكفاءتها بل بقدرتها على الطاعة المطلقة، لن ينتج إلا مزيدًا من التبعية والفساد واستنزاف مقدرات البلد.

إن الشعب الموريتاني لا يحتاج فقط إلى خطاب يبرر الواقع، بل إلى شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف بأن الأنظمة الشمولية المتعاقبة ساهمت في تمزيق الوحدة الوطنية، وفي إضعاف روح المواطنة، وفي تحويل الدولة إلى مجال لتقاسم النفوذ لا لبناء المؤسسات.

لذلك، فإن المصارحة الوطنية الحقيقية تبدأ حين نعترف بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من النخب التي احتكرت المجال العام لعقود. كما تبدأ حين نؤمن أن التداول الحقيقي لا يعني فقط تغيير الرؤساء، بل تغيير العقليات وآليات الحكم وفتح الباب أمام جيل جديد يحمل رؤية مختلفة لموريتانيا أكثر عدلًا واستقلالًا ووحدة.

إن الانتصار للشعب لا يكون بالدفاع عن النخب المستهلكة، بل بإعادة الثقة للمواطن في أن هذا الوطن يتسع للجميع، وأن الدولة ليست ملكًا لعائلات سياسية دائمة، بل مشروع جماعي مفتوح لكل أصحاب الكفاءة والنزاهة والإرادة الوطنية.

  • Related Posts

    الأرصاد توقع عودة الأمطار إلى نواكشوط ونواذيبو مساء اليوم

    أخبار اليوم.  تشهد مناطق متفرقة من الحوض الغربي ولعصابة وتكانت وآدرار ولبراكنة والترارزة وإنشيري وشمال السواحل تساقطات مطرية مصحوبة بعواصف رعدية، تتراوح شدتها بين المعتدلة والقوية في بعض المناطق. وتشير التوقعات…

    اقرأ المزيد

    بحضور وزيرين.. نواذيبو تستعد لإطلاق أسبوعها الثقافي وموسم «وطني وجهتي»

      أخبار اليوم.  تستعد مدينة نواذيبو، لإطلاق أسبوعها الثقافي وموسم «وطني وجهتي»، بحضور وزيرة التجارة والسياحة ووزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، يوم الإثنين 28 سبتمبر الجاري.   وتقام…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية