موريتانيا.. وحدة شعب أقوى من خطابات الشرائحية/ بقلم: تماد إسلم أيديه

أخباراليوم.   في الآونة الأخيرة، تصاعدت بعض البثوث والمنصات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تتناول قضايا الشرائحية والغبن الاجتماعي في موريتانيا، وذهب بعضها إلى الحديث عن “حماية دولية” لمكوّن من مكوّنات الشعب الموريتاني، وهو طرح يثير تساؤلات عديدة حول طبيعة الخطاب الذي تحتاجه البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، وحول المسؤولية الوطنية في تناول القضايا الحساسة.

لا شك أن الحديث عن الإنصاف والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر والتهميش يظل حديثًا مشروعًا، بل وضروريًا في كل دولة تسعى إلى تعزيز تماسكها وبناء مستقبل أكثر عدالة لأبنائها. غير أن الفارق كبير بين الدعوة إلى الإصلاح وتعزيز العدالة، وبين الخطابات التي قد تُفهم باعتبارها إعادة إنتاج للتقسيمات الاجتماعية أو تقديم صورة عن مجتمع يعيش حالة قطيعة بين مكوّناته.

فموريتانيا، رغم ما تواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية، ظلّت عبر تاريخها بلدًا قائمًا على التداخل الاجتماعي والثقافي والإنساني بين مختلف مكوّناتها، حيث يتقاسم المواطنون الدين الواحد، والهوية الوطنية الجامعة، والعادات والتقاليد، وأنماط العيش اليومية.

إن الشعب الموريتاني، بمختلف مكوّناته، يشبه بياض العين وسوادها؛ فلا تستقيم الرؤية إلا بهما معًا، ولا يمكن لأي طرف أن يلغي أهمية الآخر أو يدّعي الاكتفاء بنفسه. فالأوطان لا تُبنى بمنطق الاصطفافات، بل بروح الشراكة والانتماء المشترك.

وفي تفاصيل الحياة اليومية، يصعب الحديث عن عزلة اجتماعية بين الموريتانيين؛ فهم يلتقون في المساجد، ويتجاورون في الأحياء، ويدرس أبناؤهم في المدارس نفسها، ويتعاملون في الأسواق ذاتها، ويتقاسمون الأفراح والأتراح،وحتى في لحظات الرحيل الأخيرة لا تميز المقابر بين الناس على أساس الانتماء الاجتماعي، في مشهد يعكس عمق التداخل الإنساني والاجتماعي في المجتمع الموريتاني.

ومن المهم الإقرار بأن موريتانيا، مثل كثير من الدول النامية، تواجه تحديات حقيقية تتمثل في الفقر والبطالة وضعف الفرص أحيانًا، وهي تحديات تمس شرائح متعددة من المجتمع، ولا تقتصر على فئة بعينها. فالمواطن البسيط، مهما كان انتماؤه الاجتماعي، قد يواجه صعوبات متشابهة تتعلق بالعمل أو التعليم أو الظروف المعيشية.

وفي المقابل، تقوم مؤسسات الدولة – من حيث المبدأ – على أسس المواطنة وتكافؤ الفرص في التعليم والتوظيف والمسابقات الوطنية، مع بقاء الحاجة قائمة دائمًا إلى مزيد من الإصلاح والشفافية وتعزيز العدالة الاجتماعية بما يعزز الثقة الوطنية ويطمئن الجميع.

إن الحديث عن الحماية الدولية لأي مكوّن اجتماعي ينبغي أن يُناقش بقدر كبير من الحكمة والمسؤولية، لأن الدول القوية تُبنى بالحوار الداخلي والمعالجات الوطنية، وبالإيمان بأن المشكلات – مهما كانت – يمكن حلها داخل البيت الوطني، بعيدًا عن الخطابات التي قد تُعمّق الاستقطاب أو تفتح الباب أمام مزيد من الانقسام.

وإلى أصحاب البثوث والمنابر الرقمية، يبقى الاختلاف في الرأي حقًا مكفولًا، لكن الوطن أكبر من أي خطاب عابر، والشعب الموريتاني ليس أداة للتجاذب أو مادة لتغذية الانقسامات. فالمسؤولية الأخلاقية والوطنية تقتضي أن يكون الخطاب جامعًا، يعزز السلم الأهلي، ويقوي الثقة بين المواطنين، بدلًا من توسيع دوائر الشك والاحتقان.

لقد أثبت الموريتانيون، في محطات عديدة من تاريخهم، أن وحدتهم كانت دائمًا أقوى من الأزمات، وأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما قد يفرقهم. ومهما تعددت الآراء أو تباينت وجهات النظر، فإن الحفاظ على السلم الأهلي ووحدة النسيج الاجتماعي يظل مسؤولية جماعية لا تحتمل المزايدات أو الخطابات التي قد تؤدي إلى الاستقطاب.

إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب يفتح أبواب الأمل، ويعزز الثقة بين المواطنين، ويكرّس قيم العدالة والإنصاف والحوار، بدلًا من تكريس الإحساس بالخصومة أو تأجيج الانقسامات. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُحل بالصدام، وإنما بالحكمة، والإنصات المتبادل، والاحتكام إلى المصلحة العليا للوطن.

وسيظل الشعب الموريتاني – بإذن الله – شعبًا موحدًا، متماسكًا، قويًا بتنوعه وتآلفه، مؤمنًا بأن المستقبل الأفضل لا يمكن أن يُبنى إلا بتكاتف الجميع، بعيدًا عن كل ما من شأنه أن يضعف الثقة أو يمس وحدة الصف الوطني. فموريتانيا كانت وستبقى وطنًا يتسع لجميع أبنائه، تجمعهم المواطنة، وتوحدهم المصلحة المشتركة، ويحفظهم تاريخ طويل من التعايش والتآخي.

  • Related Posts

    تهنئة خاصة من إدارة الجمارك إلي أفراد الأسرة الجمركية الموريتانية

    أخبار اليوم.   الإدارة العامة للجمارك تتقدم بأحري التهانى إلي كافة أفراد الأسرة الجمركية المزريتانية بمناسبة المولدي النبوي الشريف أعاده الله علينا وعلي الامة العربية والأسلامية باليمن والبركة

    اقرأ المزيد

    النيجر: افتتاح الدورة الأولى لبرلمان تحالف دول الساحل

    أخباراليوم. – افتتحت الاثنين في النيجر الدورة الأولى لبرلمان تحالف دول الساحل، المكون من 45 نائبا بواقع 15 نائبا عن كل دولة من الدول الثلاث المشكلة للتحالف. وترأس مراسم الافتتاح…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية