أخباراليوم. لم تكن الوحدة الوطنية في موريتانيا وليدة حدود سياسية رسمها العصر الحديث، ولا نتيجة ترتيبات إدارية فرضتها الدولة المركزية، بل تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري والاجتماعي والثقافي، حتى أصبحت حقيقة راسخة في وجدان المجتمع قبل قيام الدولة الحديثة نفسها. فقد استطاع الشعب الموريتاني، رغم تنوعه القبلي والثقافي واللغوي، أن يؤسس نموذجًا متفردًا في التعايش، قائمًا على الاحترام المتبادل للخصوصيات، والانتماء إلى مرجعية جامعة صنعتها العقيدة الإسلامية والثقافة المشتركة.
لقد اتخذ الموريتانيون من الإسلام محورًا للانتظام العام؛ عقيدةً وشريعةً وفكرًا وأدبًا وسلوكًا، فكان الدين هو الرابط الأعلى الذي صهر المكونات الاجتماعية المختلفة داخل فضاء واحد تتكامل فيه الأدوار وتتقاطع فيه المصالح والقيم. كما شكلت اللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن الكريم ووعاء الثقافة الإسلامية، وسيلة التواصل والتعاطي الفكري والاجتماعي بين مختلف الفئات، فغدت أداة للوحدة أكثر من كونها مجرد لغة للتخاطب.
وفي هذا السياق الحضاري لعبت المحظرة دورًا محوريًا في ترسيخ الوحدة الوطنية. فقد امتدت إشعاعاتها العلمية من ضفاف النهر في فوتا إلى عمق الشمال الصحراوي، وظلت جسورًا للتواصل المعرفي والروحي بين أبناء الوطن الواحد. وكانت تلك المؤسسة التقليدية، رغم غياب السلطة المركزية أحيانًا، تؤدي خدمة وطنية عظيمة عبر نشر العلم، وتوحيد المرجعيات، وتعزيز قيم السلم والتكافل والانتماء المشترك.
لقد عاش المجتمع الموريتاني فترات طويلة في ظل هشاشة سياسية وغياب شبه كامل لمؤسسات الدولة الحديثة، ومع ذلك حافظ على قدر معتبر من التماسك الاجتماعي بفضل تلك المشتركات الحضارية والثقافية. أما اليوم، ومع وجود دولة مركزية، وجيش جمهوري، وهوية سياسية واضحة، فإن الواجب الوطني يفرض تعزيز هذه الوحدة وصيانتها من كل عوامل التصدع والانقسام.
إن المشتركات الجامعة التي صنعت وحدة هذا الشعب ليست مجرد شعارات ظرفية، بل هي مقدسات وطنية ينبغي تحصينها قانونيًا وثقافيًا وسياسيًا. ومن هنا تصبح مسؤولية الدولة والمجتمع والنخب مسؤولية تاريخية في حماية النسيج الاجتماعي، وتنمية الشعور بالانتماء إلى وطن واحد وأمة واحدة، بعيدًا عن خطابات التفرقة أو محاولات الاستثمار السياسي في الهويات الفرعية.
غير أن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تستمر كشعار أخلاقي مجرد، ما لم تتحول إلى ممارسة عادلة يشعر المواطن من خلالها بأنه متساوٍ مع غيره في الحقوق والواجبات أمام القانون. فالمواطنة الحقيقية لا تقوم على الامتيازات، ولا على الانتماءات الضيقة، وإنما على رابطة مباشرة بين الفرد والدولة، تُبنى على العدالة وتكافؤ الفرص وصيانة الكرامة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق جاءت دعوة حزب الإصلاح إلى تشاور وطني شامل، يضم السلطة والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، بهدف معالجة الإشكالات التي ما تزال تعيق التنمية وتحد من بناء الثقة الوطنية. فالحوار الجاد والمسؤول يظل الوسيلة الأكثر نجاعة لتحويل الوحدة الوطنية من مجرد خطاب سياسي إلى مشروع وطني متكامل.
غير أن نجاح أي تشاور وطني يظل مرهونًا بتوفير جملة من الضمانات الأساسية، من أبرزها:
– الابتعاد عن توظيف الوحدة الوطنية في الاستغلال الدعائي أو المزايدات السياسية والمذهبية.
– تعزيز دور الدولة والمجتمع في ترسيخ ثقافة التكافل والسلم الاجتماعي والتعايش الإيجابي.
– تجسيد فكرة المواطنة من خلال تكريس العلاقة المباشرة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق والواجبات.
– رفض الدعوات الرامية إلى محاصصة الوظائف والمنافع على أسس تتعارض مع روح المواطنة ومبدأ الكفاءة والعدالة.
إن الأمم لا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل تُبنى أيضًا بالإيمان الجماعي بالمصير المشترك. وموريتانيا، بما تملكه من رصيد حضاري وروحي وثقافي، قادرة على أن تقدم نموذجًا متوازنًا في إدارة التنوع إذا ما تم تحصين وحدتها الوطنية بالعدل، وربط المواطنة بالكفاءة، وترسيخ ثقافة الدولة الجامعة التي يشعر داخلها كل مواطن أنه شريك كامل في الوطن لا تابع فيه ولا مهمش.
فالوحدة الوطنية ليست ملفًا سياسيًا عابرًا، بل هي أساس بقاء الدولة واستقرارها، والضمانة الحقيقية لأي مشروع تنموي أو نهضوي في المستقبل.









