بين الهوية الجامعة وخطاب التفرقة: حين يصبح الوعي شرطًا للإنصاف

 

أخبار اليوم.    في خضم النقاشات المتصاعدة حول الهوية والانتماء في المجتمع الموريتاني، يبرز خطابٌ يسعى إلى إعادة تعريف مكونات المجتمع على أسس لونية ضيقة، متجاهلًا التعقيد التاريخي والثقافي الذي صاغ هذا النسيج عبر قرون. ومن بين هذه الأطروحات، تبرز فرضية “مجتمع لحراطين” بوصفه كيانًا منفصلًا، وهي فرضية تثير الكثير من الجدل، ليس فقط من حيث مضمونها، بل من حيث مآلاتها الاجتماعية والسياسية.

 

إن اختزال الهوية في اللون، هو تبسيط مخلّ لا يصمد أمام قراءة جادة لتاريخ المجتمع. فالمجتمع البيظاني، كما هو معلوم، لم يكن يومًا كيانًا أحادي اللون أو مغلقًا، بل هو نتاج تفاعل طويل بين مكونات متعددة، تشترك في اللغة والثقافة والدين، وتتباين في أصولها وتجاربها الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، فإن فصل “لحراطين” عن هذا السياق يبدو أقرب إلى إعادة إنتاج للتمييز بدل تجاوزه.

 

غير أن هذا الطرح، رغم ما فيه من اختزال، لا يمكن فهمه بمعزل عن واقع اجتماعي مأزوم. فالتفاوت في الفرص، والهشاشة الاقتصادية، وضعف الولوج إلى التعليم، كلها عوامل ساهمت في خلق شعور بالغبن لدى فئات واسعة، من ضمنها شريحة لحراطين. لكن الإشكال يكمن في توجيه هذا الشعور نحو بناء سرديات انفصالية، بدل تحويله إلى قوة ضغط من أجل إصلاحات حقيقية تمس جوهر الخلل.

 

لقد أثبتت التجارب أن الصعود الاجتماعي لا يتحقق عبر الشعارات، بل عبر أدوات ملموسة، في مقدمتها التعليم والتكوين والتمكين الاقتصادي. فالمجتمع لا يعيد تشكيل نفسه عبر الخطابات الغاضبة، بل عبر بناء كفاءات قادرة على اختراق مراكز القرار، وفرض حضورها من خلال الجدارة لا من خلال الاستقطاب.

 

ومن المؤسف أن بعض الحركات التي تتحدث باسم لحراطين، وقعت في فخ الشعبوية، حيث طغى الخطاب العاطفي على الرؤية الاستراتيجية، وغابت البرامج الواقعية القادرة على إحداث تغيير ملموس. بل إن بعض هذه الحركات تحولت إلى أدوات لتغذية الانقسام، بدل أن تكون جسورًا للتقارب.

 

في المقابل، لا يمكن إنكار أن الدولة، بسياساتها المتذبذبة، ساهمت في تعميق هذه الإشكالات. فضعف العدالة الاجتماعية، وغياب معايير شفافة في التوظيف والتعيين، وهيمنة شبكات النفوذ، كلها عوامل غذّت الإحساس بالتهميش، وفتحت المجال أمام خطاب التفرقة. بل إن بعض الأنظمة قد تجد في هذا الانقسام مصلحة، لأنه يشتت المطالب، ويمنع تشكل جبهة موحدة تطالب بالإصلاح.

 

إن التحدي الحقيقي اليوم، لا يكمن في إعادة تعريف الهوية، بل في إعادة توزيع الفرص. فالمطلوب ليس خلق كيانات موازية، بل إصلاح البنية التي تنتج التفاوت. وهذا يمر عبر تعليم حقيقي، وعدالة في توزيع الثروة، ومؤسسات قائمة على الكفاءة لا الولاء.

 

ختامًا، فإن الوعي هو السلاح الأهم في هذه المرحلة. وعيٌ يدرك أن الهوية لا تُبنى على اللون، بل على القيم المشتركة، وأن العدالة لا تتحقق عبر الانقسام، بل عبر توحيد الجهود. فحين يتحول الوعي إلى مشروع، يصبح التغيير ممكنًا، وتصبح الهوية عامل توحيد لا أداة صراع.

 

بقلم: حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    الأرصاد الجوية الجزائرية تحذر من موجة حر قد تصل إلى 45 درجة وتصدر تنبيها من المستوى الثاني

    أخبار اليوم.  أعلن الديوان الوطني الجزائري للأرصاد الجوية، عن موجة حر ستعرفها عدة ولايات من الوطن، مع تسجيل ارتفاع محسوس في درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة. وجاء في تنبيه من…

    اقرأ المزيد

    الجيش الوطني يعلن مسابقة لاكتتاب طلبة ضباط

    أخباراليوم. أعلنت الأركان العامة للجيوش تنظيم مسابقة لاكتتاب مباشر لطلبة ضباط عاملين للعام الدراسي 2026-2027، موجهة للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما.   وأوضحت الأركان أن التسجيل للمشاركة…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية