أخباراليوم. لم يعد الانقسام في عالم الطاقة مجرد نقاش تقني حول مصادر التوليد، بل تحول إلى صراع رؤى عميق يمس جوهر الاقتصاد والسياسة والبيئة. يمكن تبسيط هذا المشهد العالمي إلى “فسطاطين” رئيسيين، لكل منهما منطقه الخاص، داعموه، ومصالحه الاستراتيجية.

• الفسطاط الأول: أنصار التحول الطاقوي (الطاقة المتجددة)
يرى هذا التيار أن الاعتماد على الوقود الأحفوري (النفط، الغاز، الفحم) لم يعد خياراً مستداماً، لا بيئياً بسبب التغير المناخي، ولا اقتصادياً على المدى الطويل.
يرتكزون على تحذيرات العلماء من الانبعاثات الكربونية التي تهدد الاستقرار العالمي، ويراهنون على الطاقة الشمسية، الرياح، والهيدروجين الأخضر كبدائل ستصبح أرخص وأكثر كفاءة بفضل التقدم التكنولوجي.
أبرز الداعمين لهم الاتحاد الأوروبي (بقيادة ألمانيا والدنمارك)، الصين (كأكبر مستثمر في التقنيات الخضراء)، وكندا.
من الشركات البارزة في هذا الفسطاط: تسلا (Tesla)، فيستاس (Vestas)، ونيكس تيرا إنيرجي (NextEra Energy).
هؤلاء يرون أن المستقبل “كهربائي ونظيف”، وأن من يتأخر في التحول سيدفع الثمن اقتصاديًا.
• الفسطاط الثاني: أنصار الواقعية الطاقوية (الطاقة التقليدية)
هذا المعسكر لا ينكر أهمية الطاقة المتجددة، لكنه يرفض فكرة “التخلي السريع” عن الوقود الأحفوري. يعتبرون أن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد بشكل جوهري على النفط والغاز، وأن البدائل غير قادرة حتى الآن على سد الفجوة.
يرون أن الحديث عن نهاية النفط مبالغ فيه، وأنه سيبقى عنصرًا أساسيًا لعقود، خاصة في الصناعات الثقيلة والنقل العالمي.
الداعم الأول لهذا الفسطاط: الولايات المتحدة ، روسيا، السعودية، ، والإمارات التي تتبنى موقفًا متوازنًا لكنه لا يتخلى عن النفط ومنظمة أوبك التي تدافع عن دور النفط في استقرار السوق العالمي.
من الشركات البارزة في هذا الفسطاط : Saudi Aramco، ExxonMobil، Gazprom.
هذا الفسطاط يصف بعض أطروحات التحول السريع بأنها “مثالية” أو غير واقعية، بل أحيانًا “هرطقات” لا تأخذ في الحسبان تعقيدات الاقتصاد العالمي.
وبين الفسطاطين نجد المتحولين او من يسمون بالرماديين:
• اصحب الأعراف :
بين هذين القطبين، نجد فئة “المتحولين” أو من يمكن تسميتهم بـ “أصحاب الأعراف”؛ وهم فاعلون تساوت عندهم هواجس الحاضر مع طموحات المستقبل، فلا هم تخلوا تماماً عن الوقود الأحفوري، ولا هم أهملوا ثورة الطاقة النظيفة.
• الشركات المتحولة: مثل bp و Shell، التي تواصل إنتاج النفط والغاز مع ضخ استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية والرياح.
• الدول المزدوجة الاستراتيجية: مثل النرويج؛ التي تعد منتجاً ضخماً للنفط، لكنها في الوقت نفسه رائدة عالمياً في استهلاك الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.
الحالة الموريتانية.. نموذج “اللاعب الذكي”
تنتمي موريتانيا بوضوح إلى هذه الفئة البراغماتية، حيث فرضت عليها الطبيعة الجغرافية والاحتياجات الاقتصادية أن تكون رمادية
• الرهان على الغاز (القدم في الواقعية):
اكتشافات الغاز البحرية الضخمة، وفي مقدمتها حقل “السلحفاة آحميم الكبير” بالتعاون مع السنغال، وضعت موريتانيا على خريطة الطاقة التقليدية. هذا التوجه يهدف إلى:
• استغلال الموارد الطبيعية لتعزيز النمو الاقتصادي السريع.
• تأمين عائدات مالية لدعم مشاريع التنمية والبنية التحتية.
• الطموح الأخضر (القدم في المستقبل):
في المقابل، تروج موريتانيا لنفسها كقطب مستقبلي للهيدروجين الأخضر، مستغلةً مساحاتها الشاسعة ومعدلات السطوع الشمسي وقوة الرياح الاستثنائية.
إن موقف موريتانيا المزدوج ليس تردداً، بل هو ضرورة لدولة نامية تحتاج لعائدات الغاز “الآن” لتمويل دخولها في اقتصاد الهيدروجين “غداً”. موريتانيا تمثل نموذجاً للاعب الذي يستفيد من الطاقة التقليدية دون الارتباط بها كلياً، ويستثمر في المتجددة دون المراهنة عليها حصرياً.
هذا التوازن هو “ميزة تنافسية” إذا أحسنت إدارته، وتحدٍ كبير يتطلب حنكة في االتوفيق بين إغراءات الحاضر ومتطلبات المستقبل









