حين يُترك من خدموا الدولة لانتظار الوعود: المتقاعد بين خطاب الإنصاف وواقع الإهمال

 

أخباراليوم    آن الأوان لأن تتحول فئة متقاعدي الدولة في موريتانيا من موضوعٍ مؤجل في خطابات المناسبات إلى أولويةٍ فعلية في سياسات العدالة الاجتماعية. فهذه الفئة، التي أفنت زهرة عمرها في خدمة الإدارة، والتعليم، والصحة، والأمن، لا تطلب امتيازًا، بل حدًا أدنى من الإنصاف يليق بكرامة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.

منذ وصول الرئيس محمد ولد الغزواني إلى السلطة، تعلّق المتقاعدون بوعدٍ أُطلق في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية عام 2019، حين أُعلن عن نية إصلاح نظام المعاشات وتحسين أوضاعهم. وقد بدا في البداية أن ثمة إرادة للتخفيف من معاناتهم، حين تم الانتقال من صرف المعاشات كل ثلاثة أشهر إلى صرفها شهريًا. غير أن هذا الإجراء، رغم أهميته، ظل خطوة إدارية أكثر منه إصلاحًا جوهريًا.

طوال سنوات، ظل الوزير الأول محمد ولد بلال مسعود يعلن عن اقتراب تجسيد إصلاحات مرتقبة، مع اجتماعات متكررة للجان مكلفة بالملف، وتوجيهات بالإسراع، دون أن يلمس المتقاعد أثرًا حقيقيًا على دخله أو ظروفه. تسريبات عن دراسات أُنجزت، وأحاديث عن منح تعويضات تعادل أربع سنوات من الراتب عند التقاعد، بقيت جميعها في دائرة الإشاعة أو الوعود غير المكتملة.

وفي مقابل ذلك، ظهرت مفارقة لافتة: إذ استفادت بعض فئات المتقاعدين في المؤسسات العسكرية والأمنية من منح معتبرة عند التقاعد، بينما ظل المتقاعد المدني خارج هذه المعادلة، ما خلق شعورًا بالتمييز داخل نفس الدولة التي خدمها الجميع.

ثم جاءت موجة الغلاء المرتبطة بالتوترات الدولية، خاصة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، لتزيد من هشاشة أوضاع المتقاعدين. ورغم اتخاذ الحكومة إجراءات مثل زيادة الرواتب القاعدية ومنح دعم ظرفي، فإن هذه التدابير اتسمت بطابع مؤقت وانتقائي. بل إن آخر قرار رئاسي بدعم المتقاعدين بمبلغ ثلاثين ألف أوقية قديمة تم تفريغه إداريًا إلى تحويلات مجزأة (عشرة آلاف شهريًا لثلاثة أشهر)، ما أعاد طرح سؤال جوهري: هل المشكلة في القرار أم في آليات تنفيذه؟

المتقاعد في التجارب المقارنة: بين الكرامة والتهميش

إذا نظرنا إلى تجارب دول أخرى، سنجد أن طريقة التعامل مع المتقاعد تعكس فلسفة الدولة ذاتها:

في دول مثل السويد وألمانيا، يُنظر إلى التقاعد كمرحلة حماية اجتماعية، حيث تُربط المعاشات بمستوى التضخم، وتُراجع دوريًا لضمان القدرة الشرائية. المتقاعد هناك لا يفقد موقعه الاجتماعي، بل يحتفظ بكرامته واستقلاله.

في فرنسا، ورغم الجدل الكبير حول إصلاح نظام التقاعد، فإن أي مساس بالحقوق المكتسبة يواجه برد فعل مجتمعي قوي، ما يعكس حساسية الملف وأهميته السياسية.

في المقابل، في عدد من الدول النامية، يتحول التقاعد إلى بداية الهشاشة، حيث ينخفض الدخل بشكل حاد، وتغيب الحماية الصحية، ويُترك المتقاعد لمواجهة التضخم دون أدوات.

صورة من الواقع: المتقاعد الموريتاني

المتقاعد في موريتانيا ليس رقمًا في جدول، بل قصة إنسان:

معلم يقضي ما لا يقل عن 35 سنة في خدمة التعليم، بل إن كثيرين منهم يتجاوزون ذلك بعد رفع سن التقاعد إلى 63 سنة، ليجدوا أنفسهم في النهاية أمام معاش لا يعكس حجم التضحيات ولا سنوات العطاء.

موظف إداري أفنى حياته بين الملفات، ليكتشف أن معاشه لا يكفي إيجار منزل.

عامل بسيط في قطاع عمومي، ينتهي به المطاف معتمدًا على أبنائه أو مساعدات ظرفية.

هذه الحالات ليست استثناءً، بل تعبير عن خلل بنيوي في تصور الدولة لدورها تجاه من خدموها.

بين القرار والتنفيذ: أين الخلل؟

المشكلة لم تعد فقط في غياب الإصلاح، بل في ما يمكن تسميته “تفريغ القرارات من مضمونها”. حين يصدر توجيه رئاسي، ثم يُعاد تشكيله إداريًا بشكل يُفرغه من أثره، فإننا نكون أمام أزمة حوكمة، لا مجرد تأخر في التنفيذ.

هذا يطرح أسئلة صريحة:

من يحدد الأولويات الاجتماعية فعليًا؟

ولماذا تتحول ملفات مثل التقاعد إلى مسار طويل من اللجان دون نتائج؟

وهل هناك إرادة سياسية كاملة، أم أن البيروقراطية تُعيد صياغة القرارات وفق منطقها الخاص؟

نحو مقاربة عادلة

إنصاف المتقاعدين لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى قرارات واضحة:

مراجعة شاملة للمعاشات وربطها بمؤشر الأسعار.

اعتماد منحة تقاعد عادلة تُصرف مرة واحدة عند نهاية الخدمة.

توحيد المعايير بين المدنيين والعسكريين.

إنشاء نظام دعم صحي خاص بالمتقاعدين.

في النهاية، لا يُقاس وفاء الدول بشعاراتها، بل بطريقة تعاملها مع من خدموها حين يصبحون في أضعف حالاتهم. المتقاعد ليس عبئًا على الدولة، بل شاهد حي على تاريخها الإداري والأخلاقي. وإن استمرار تجاهله ليس فقط خللًا اجتماعيًا، بل خطرٌ على الثقة بين المواطن ومؤسسات بلده.

فهل تتحول وعود الإنصاف إلى سياسات، أم يبقى المتقاعد ينتظر…؟

حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    توقعات اقتصادية: نمو موريتانيا يتباطأ إلى 4.3% بنهاية 2026

    أخبار اليوم.   أظهرت بيانات محدثة لمنصة Trading Economics أن الاقتصاد الموريتاني ينمو حالياً بمعدل سنوي يبلغ 6.3 بالمئة، مع توقع تباطؤ النمو إلى 4.3 بالمئة في الربع الأخير من عام…

    اقرأ المزيد

    الحكومة تناقش تحضيرات حملة سياحية بيئية بمنتزه آوليكات

    أخباراليوم. – ناقشت الحكومة خلال اجتماعها الخميس بيانا قدمه وزيرة البيئة والتنمية المستدامة مسعودة بنت بحام حول تحضيرات الإطلاق الفعلي للحملة السياحية البيئية لسنة 2026 بالمنتزه الوطني لأوليگات.   وقالت…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية