أخباراليوم. لم يعد الحديث عن “إسرائيل الكبرى” مجرد شعار أيديولوجي تتداوله أوساط اليمين الإسرائيلي، بل بات – كما يكشف تحليل دانيال ليفي – إطارًا استراتيجيًا يتجاوز فكرة التوسع الترابي نحو مشروع هيمنة إقليمية متعددة الأبعاد. الخطير في هذا الطرح ليس فقط مضمونه، بل صدوره عن شخصية كانت يومًا داخل منظومة التفاوض الإسرائيلية، ما يمنحه قدرًا أعلى من المصداقية والدلالة.
أولاً: من احتلال الأرض إلى احتكار النظام الإقليمي
التوسع الإسرائيلي لم يتوقف تاريخيًا، لكنه اليوم يأخذ شكلًا أكثر تركيبًا. فالمسألة لم تعد مجرد السيطرة على غزة أو الضفة أو الجولان، بل تتجه نحو:
فرض واقع جغرافي جديد عبر التهجير وإعادة تشكيل الكثافة السكانية
توسيع نطاق العمليات خارج الحدود التقليدية (سوريا، لبنان)
بناء قدرة تدخل “عن بعد” دون احتلال مباشر
هذا التحول يعكس انتقال إسرائيل من منطق “الدولة المحاصَرة” إلى “القوة المهيمنة”، وهو ما عبّر عنه الخطاب الإسرائيلي الحديث بوصفها “قوة عظمى إقليمية” بل وحتى “عالمية” في بعض التصريحات.
ثانياً: التحالفات كأداة للهيمنة لا للتعايش
أخطر ما يكشفه المقال هو أن مشروع “إسرائيل الكبرى” لا يقوم فقط على القوة العسكرية، بل على إعادة هندسة التحالفات في المنطقة. الفكرة المركزية هنا هي:
تحويل إسرائيل إلى محور شبكة إقليمية تربط:
آسيا (الهند)
العالم العربي
إفريقيا
شرق المتوسط
نقل ممرات الطاقة من الخليج إلى المتوسط عبر إسرائيل
تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة (هرمز، باب المندب)
بهذا المعنى، تصبح إسرائيل ليس فقط دولة، بل عقدة مركزية في الاقتصاد والأمن الإقليميين.
ثالثاً: اللعب بالنار – أوهام الأنظمة القريبة من إسرائيل
الرسالة الأهم التي يجب التوقف عندها هي تلك الموجهة ضمنيًا إلى الدول التي تنخرط في علاقات تطبيعية متسارعة مع إسرائيل. هذه الدول قد ترى في التعاون فرصة للاستقرار أو الحماية، لكنها تتجاهل عدة مخاطر:
1. تحولها إلى أطراف تابعة أمنيًا
بدل أن تكون شريكًا، تصبح جزءًا من منظومة تقودها إسرائيل
2. تعريض أمنها الداخلي والخارجي للاهتزاز
خصوصًا إذا أصبحت أراضيها أو بنيتها التحتية جزءًا من صراع إقليمي أوسع
3. فقدان هامش الاستقلال الاستراتيجي
مع تزايد الاعتماد على إسرائيل في التكنولوجيا أو الأمن أو الطاقة
بعبارة أوضح: هذه الأنظمة قد تظن أنها تحتمي بالنار، لكنها في الواقع تقترب منها أكثر مما ينبغي.
رابعاً: هل هذا المشروع قابل للتحقق؟
رغم طموحه الكبير، فإن مشروع “إسرائيل الكبرى” يواجه تحديات حقيقية:
رفض شعبي واسع في المنطقة يجعل أي هيمنة طويلة الأمد هشّة
توازنات دولية متغيرة قد لا تسمح بتركز قوة إقليمية مفرطة
تكلفة عسكرية وأمنية مرتفعة لاستدامة التفوق والسيطرة
وجود قوى إقليمية منافسة (إيران، تركيا، وغيرها)
لكن في المقابل، لا يمكن الاستهانة بعوامل القوة:
تفوق عسكري وتكنولوجي
دعم غربي، خصوصًا أمريكي
قدرة عالية على استثمار الأزمات لصالحها
ما يجعل المشروع غير مضمون، لكنه ليس مستحيلًا.
خامساً: ماذا يمكن أن تفعل الدول الرافضة لهذا المسار؟
الدول التي تدرك مخاطر هذا المشروع تحتاج إلى الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، عبر:
1. بناء توازن إقليمي مضاد
تعزيز التعاون السياسي والعسكري بين الدول الرافضة للهيمنة
خلق شبكات بديلة للأمن الجماعي
2. تقليل جاذبية المشروع الإسرائيلي
تقديم بدائل اقتصادية وتنموية للدول المترددة
دعم مشاريع طاقة ونقل لا تمر عبر إسرائيل
3. استخدام أدوات الضغط غير المباشر
التأثير الدبلوماسي والإعلامي
رفع كلفة الانخراط في المشروع الإسرائيلي
4. الرهان على الوعي الشعبي
لأن الشعوب تبقى العامل الأكثر حساسية في استقرار أي تحالف
ولأن أي مشروع لا يحظى بشرعية مجتمعية يبقى هشًا
خلاصة
ما يكشفه هذا المقال ليس مجرد نوايا توسعية، بل تصور متكامل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط حول مركز واحد. الخطر لا يكمن فقط في إسرائيل نفسها، بل في سوء تقدير الآخرين لطبيعة هذا المشروع.
فالرهان على أن إسرائيل شريك عادي في النظام الإقليمي قد يكون خطأً استراتيجيًا فادحًا. لأن الوقائع، كما يشير المقال، توحي بأننا أمام مشروع لا يكتفي بالتعايش… بل يسعى إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة بالكامل.
والتاريخ يعلمنا أن من يستهين بمشاريع الهيمنة في بداياتها، غالبًا ما يدفع ثمن ذلك عندما تصبح واقعًا.
✍️ حمادي سيدي محمد آباتي








