أخباراليوم. لم يعد الجدل الدائر حول المأموريات الرئاسية في موريتانيا مجرد خلاف سياسي عابر بين “معارضة” و“موالاة”، بل تحول إلى مرآة تعكس عمق الاختلال في فهمنا لطبيعة الدستور نفسه: هل هو نص مقدس مغلق، أم عقد اجتماعي حيّ يتجدد بتجدد المجتمع؟
تعثر مسار التحضير للحوار لم يكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لهذا التناقض. فالمعارضة ترفض مجرد فتح ملف المأموريات، وكأنها تدافع عن آخر خطوط الصد ضد عودة الحكم الفردي، بينما تدفع الموالاة في الاتجاه المعاكس، ليس بالضرورة إيمانًا بالمراجعة، بل انسجامًا مع منطق القوة الذي يسعى دائمًا إلى إعادة تشكيل القواعد بما يخدم استمراريته.
لقد جاءت تعديلات 2006 في سياق خاص، كان عنوانه الأبرز إنهاء حقبة حكم طويلة، وإقناع الداخل والخارج بأن ثمة قطيعة مع نموذج التمركز في السلطة. ولذلك، لم يكن تحديد المأموريات مجرد خيار دستوري، بل كان رسالة سياسية بامتياز: “لن يتكرر ما حدث”. وقد نال ذلك التوجه تزكية شعبية عبر الاستفتاء، فصار أشبه بتحصين رمزي ضد الانزلاق.
غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التحصين إلى ما يشبه “النص المقدس” الذي لا يجوز الاقتراب منه، وكأن المجتمع قد توقف عن الحركة منذ ذلك التاريخ. فالدستور، في جوهره، ليس وثيقة جامدة، بل تعبير عن توازنات اجتماعية وسياسية قابلة للتغير. وما كان مناسبًا في سياق معين، قد يصبح بحاجة إلى مراجعة في سياق آخر.
خلال عشرين سنة، لم تتغير فقط الخريطة الديمغرافية، بل تغيرت معها كيمياء الوعي. جيل كامل لم يكن حاضرًا في استفتاء 2006، بات اليوم يشكل جزءًا معتبرًا من الكتلة الناخبة، ومن غير المنطقي أن يُحرم من حقه في إبداء الرأي في نصوص لم يشارك أصلًا في إقرارها. كما أن الذين صوّتوا آنذاك، ليسوا بالضرورة على نفس القناعة اليوم، فالتجربة السياسية كثيرًا ما تعيد تشكيل المواقف.
من هنا، يصبح القول بضرورة فتح النقاش حول المأموريات، من حيث المبدأ، طرحًا مشروعًا، لأنه يستند إلى فكرة بسيطة: لا وصاية لجيل على جيل، ولا قداسة لنص خارج حدود المصلحة العامة.
لكن، وهنا تكمن المفارقة، ليس كل نقاش بريئًا، ولا كل مراجعة تعبيرًا عن إرادة شعبية حرة. ففي سياق مختل التوازن، حيث تهيمن السلطة على مفاصل التأثير، قد يتحول “فتح النقاش” إلى مجرد أداة لإعادة إنتاج نفس المنظومة، بدل أن يكون مدخلًا لإصلاحها.
إن جوهر الإشكال في موريتانيا لا يكمن في عدد المأموريات بحد ذاته، بل في الشروط التي يتم فيها تحديد هذا العدد. فحين يكون ميزان القوة غير متكافئ، يصبح النص الدستوري، مهما بدا محايدًا، انعكاسًا لإرادة الطرف الأقوى.
وبذلك، يتقاطع منطقان متعارضان:
منطق يدافع عن حق الأجيال في مراجعة العقد الاجتماعي، ومنطق يخشى من أن تتحول هذه المراجعة إلى غطاء لتمديد عمر السلطة. وبين هذين المنطقين، تضيع الحقيقة إن لم تُضبط القواعد.
فالمراجعة، لكي تكون ذات معنى، تحتاج إلى شروط: فضاء سياسي مفتوح، تكافؤ في الفرص، ونقاش عمومي لا تحدده إرادة جهة واحدة. بدون ذلك، تصبح كل دعوة للتعديل مجرد إعادة صياغة للهيمنة بلغة قانونية.
إن التمسك بسقف المأموريات كما هو، قد يبدو ضمانة في نظر البعض، لكنه في جوهره تعبير عن انعدام الثقة في النظام السياسي برمته. وفي المقابل، فإن فتحها دون ضمانات حقيقية، ليس إصلاحًا، بل مغامرة قد تعيدنا إلى نقطة الصفر.
الخلاصة أن معركة المأموريات ليست معركة أرقام، بل معركة قواعد. ليست حول اثنتين أو ثلاث، بل حول من يقرر، وكيف يقرر، ولمصلحة من.
وفي غياب إجابة واضحة على هذه الأسئلة، سيظل النقاش يدور في حلقة مفرغة، بين خوف مشروع من الاستبداد، وطموح غير بريء لإعادة إنتاجه.








