أخباراليوم. . لم تعد أزمة المحروقات مجرد أرقام تُعلن في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى واقع يومي ضاغط، يثقل كاهل المواطن ويعيد تشكيل تفاصيل حياته بصمت قاسٍ. وبينما اختارت بعض الدول التخفيف من وطأة الأزمة عبر خفض الأسعار أو امتصاص جزء من الصدمة، فضّلت دول أخرى الإبقاء على الأسعار كما هي، بل إن بعضها – كما هو الحال في موريتانيا – اتجه في الاتجاه المعاكس تمامًا.
فبدل التخفيف، شهدت أسعار المحروقات زيادات متتالية ومزعجة، بل ومثيرة للتساؤل من زاوية قانونية. فقد تم رفع سعر الديزل (المازوت) بنسبة 10%، في حين أن الإطار المنظم لا يسمح – بحسب ما هو متعارف عليه – بأكثر من 5% كحد أقصى للزيادة. كما ارتفع سعر البنزين بنسبة 15%، وهو مستوى غير مسبوق في وتيرته وتأثيره. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل شمل أيضًا غاز الطهي، الذي ارتفع سعره بما يقارب 30%، وهو ما ضاعف من الضغط المباشر على الأسر.
هنا لم يعد السؤال: لماذا لم تنخفض الأسعار؟
بل أصبح: لماذا ارتفعت بهذا الشكل، ومن يضبط سقفها؟
في تجارب عديدة، تدخلت الحكومات لحماية القدرة الشرائية، إما عبر دعم مباشر لأسعار الوقود، أو من خلال تخفيف الضرائب، أو بالاعتماد على احتياطيات مالية مكنتها من امتصاص الصدمة مؤقتًا. لم يكن ذلك كرمًا اقتصاديًا، بل إدراكًا بأن الاستقرار الاجتماعي لا يقل أهمية عن التوازنات المالية.
في المقابل، يبدو أن المقاربة المحلية اختارت مسارًا مختلفًا، يقوم على تمرير العبء إلى المواطن، في غياب خطاب توضيحي كافٍ، أو إجراءات موازية تخفف من الأثر. وهو ما يطرح إشكالًا حقيقيًا في ترتيب الأولويات: هل الهدف هو حماية التوازنات المالية فقط، أم تحقيق حد أدنى من العدالة الاجتماعية؟
غير أن ما يزيد المشهد تعقيدًا، هو المفارقة الصارخة في ملف الغاز. فبينما بدأ تصدير الغاز من حقل حقل غراند تورتو أحميم، تعلن السنغال، على لسان رئيسها باسيرو ديوماي فاي، أنها ستتوقف عن استيراد الغاز بحلول عام 2026، في خطوة تعكس وضوح الرؤية وسرعة التحول نحو الاستفادة المحلية من الموارد.
فما الذي ينقصنا؟
المشكلة لا تكمن في غياب الموارد، بل في تأخر تحويلها إلى أثر ملموس. فالثروة التي لا تنعكس على حياة الناس، تفقد معناها، وتتحول إلى مصدر تساؤل وربما إلى عامل احتقان. أين هي محطات الكهرباء العاملة بالغاز؟ أين هي السياسات التي تخفف كلفة الطاقة؟ ولماذا يُصدّر المورد قبل أن ينعكس على الداخل؟
لكن الأخطر من ذلك، هو البعد القانوني والمالي للقرارات الأخيرة. فإذا كانت الزيادات قد تجاوزت السقوف المعروفة، فإن التعويضات المعلنة – رغم رمزيتها – تطرح إشكالًا آخر: إذ أعلنت الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور بخمسة آلاف أوقية قديمة ليصل إلى خمسين ألفًا، مع تقديم مساعدة استثنائية قدرها خمسة وأربعون ألف أوقية قديمة لذوي الدخل الأقل من مائة وثلاثين ألفًا. كما تم الإعلان عن تبرعات من أعلى هرم السلطة، حيث تبرع رئيس الجمهورية بمليون أوقية من راتبه، والوزير الأول بأربعمائة ألف، وكل وزير بمائتي ألف.
هذه الإجراءات، رغم بعدها التضامني، تثير تساؤلًا جوهريًا: هل نحن أمام سياسة عمومية قائمة على قواعد قانونية ومؤسساتية، أم أمام مقاربة ظرفية تُعالج اختلالات هيكلية بمنطق التبرع؟
فالقانون لا يُعوَّض بالهبات، والاختلال في التسعير لا يُصحَّح بمساعدات لمرة واحدة. بل إن اللجوء إلى هذا الأسلوب قد يُفهم – ضمنيًا – كإقرار بعدم توازن القرار الأصلي، ومحاولة لامتصاص أثره بدل مراجعته.
وفي السياق ذاته، يبرز سؤال لا يقل أهمية: لماذا يُطلب من المواطن شد الحزام، في وقت تستمر فيه نفقات يمكن وصفها – دون مبالغة – بأنها غير ذات أولوية؟ فهناك هيئات قائمة لا يظهر لها أثر مباشر في حياة الناس، كما أن تضخم المناصب الاستشارية، وتعدد المكلفين بمهام، واستمرار تعيين رؤساء مجالس إدارة من خارج الحاجة الفعلية، كلها مؤشرات على اختلال في توجيه الموارد.
أضف إلى ذلك وجود قطاعات حكومية قابلة للدمج دون أن يتأثر الأداء، بل ربما يتحسن، مقابل توسع في خلق وظائف تُفهم أحيانًا في إطار التوازنات أو المحاباة، وهو ما يغلق الأفق أمام شباب أنهكته الدراسة، ويبحث عن فرصة قائمة على الكفاءة لا على القرب.
الإجابة الصريحة أن التحدي ليس ماليًا فقط، بل هو بالأساس تحدٍ في التخطيط والعدالة في توزيع الأعباء. فالدولة التي تُحمّل مواطنيها كلفة الإصلاح، مطالبة – في المقابل – بأن تُراجع بصرامة أين تُنفق مواردها.
ومع ذلك، فإن تدارك الوضع لا يزال ممكنًا، بل وضروريًا. البداية تكون بتوجيه جزء من عائدات الغاز لدعم الطاقة بشكل ذكي وموجه، يخفف الضغط عن الفئات الأكثر تضررًا. بالتوازي مع ذلك، يجب تسريع الاستثمار في البنية التحتية الطاقية، خصوصًا محطات الكهرباء العاملة بالغاز، باعتبارها الحل المستدام لا المؤقت.
كما أن الشفافية في تسعير المحروقات لم تعد خيارًا، بل ضرورة. فالمواطن من حقه أن يفهم كيف تُحدد الأسعار، وأين تذهب الفوارق، وما هي حدود تدخل الدولة.
إن ما يعيشه المواطن اليوم ليس مجرد ضيق اقتصادي عابر، بل شعور متزايد بأن كلفة الحياة ترتفع، بينما الأفق يضيق. وهذا أخطر ما في الأمر، لأنه لا يُقاس بالأرقام، بل يُقاس بدرجة الثقة في المستقبل.
الرسالة إلى صناع القرار واضحة:
إن العدالة لا تعني فقط توزيع الأعباء، بل تعني أيضًا مراجعة الامتيازات.
وإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل الدولة، قبل أن يُطلب من المواطن تحمّل كلفته.
فإما أن ذتتحول الطاقة إلى رافعة للعيش الكريم،
أو تبقى عبئًا يثقل كاهل من لا يملكون سوى الصبر.
حمادي سيدي محمد آباتي








