اقتصاد الهشاشة وسياسة الغلق: من يحكم القرار

 

أخباراليوم.   ما الذي يجعل دولةً تُطفئ أنوارها كلما اشتعل العالم من حولها؟ ولماذا يتحول حدثٌ بعيد—لا ناقة لنا فيه ولا جمل—إلى حالة طوارئ داخلية تُعيد تشكيل حياة الناس، وترفع الأسعار، وتُقيّد الحركة، وتزرع الخوف في تفاصيل اليومي؟ هل نحن أمام يقظةٍ مبكرة… أم أمام قلقٍ مزمن يُدار كسياسة؟

في كل مرة تهتز فيها بقعة من العالم—سواء كانت جائحة صحية، أو حربًا بعيدة، أو أزمة طاقة عابرة—تتكرر داخلنا نفس المشاهد: إجراءات استعجالية، خطاب رسمي مشبع بالتحذير، وتدابير تقشفية تلامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. وكأننا أمام دولة تستشعر الخطر قبل أن يصل، أو ربما تتعامل مع العالم بعين القلق لا بعين التقدير الواقعي للمخاطر.

لقد شكلت جائحة كورونا لحظة مفصلية في هذا المسار؛ حيث عشنا سنتين كاملتين تحت ظروف استثنائية، أُغلقت فيها المدن، وشُلّت الحركة، وأُنيطت إدارة الفضاء العام بالمؤسسة العسكرية. ورغم أن تلك الإجراءات كانت مفهومة في سياق عالمي مرتبك، فإنها أسست لنمط جديد من التعامل مع الأزمات: نمط يقوم على الاستباق المفرط، والاحتياط الذي يصل حد الشلل.

لكن ما يثير التساؤل اليوم، هو انتقال هذا المنطق إلى أزمات لا تمسنا بشكل مباشر. فالحرب في أوكرانيا، على سبيل المثال، أدت إلى اتخاذ إجراءات داخلية بدت أكبر من حجم التأثير الفعلي. واليوم، ومع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، نشهد موجة جديدة من القرارات: تجميد المهرجانات الثقافية، توقيف استخدام السيارات الحكومية رباعية الدفع، رفع أسعار المحروقات والمواد الغذائية، بل والدعوة إلى ترشيد استهلاك الغاز في تفاصيل الحياة اليومية.

هذه الإجراءات تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام دولة حذرة، أم أمام دولة قلقة؟

لفهم هذا السلوك، لا بد من قراءة أعمق تتجاوز ظاهر القرارات إلى خلفياتها المحتملة:

أولًا، هشاشة البنية الاقتصادية: تعتمد الدولة بشكل كبير على الاستيراد في مجالات حيوية، خصوصًا الطاقة والمواد الغذائية. هذا الاعتماد يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب عالمي، حتى وإن كان بعيدًا جغرافيًا. ومن ثم، فإن أي أزمة دولية تُترجم مباشرة إلى خوف داخلي من انقطاع الإمدادات أو ارتفاع الأسعار.

ثانيًا، ضعف القدرة على امتصاص الصدمات: في ظل محدودية الاحتياطات الاستراتيجية، سواء من الوقود أو الغذاء، يصبح خيار “الغلق المبكر” وسيلة دفاعية لتعويض هذا الضعف. فبدل إدارة الأزمة تدريجيًا، يتم القفز مباشرة إلى أقصى درجات التحوط.

ثالثًا، الإدارة عبر الخوف: تميل بعض الحكومات إلى استخدام خطاب التهديد والتخويف كوسيلة لضبط المجتمع وتبرير القرارات الصعبة. فحين يُقنع المواطن بأن الخطر داهم، يصبح أكثر تقبلًا للتقشف، حتى وإن لم يكن مبررًا بالكامل.

رابعًا، غياب الثقة في السوق والفاعلين الاقتصاديين: بدل الاعتماد على مرونة السوق وقدرته على التكيف، يتم اللجوء إلى قرارات مركزية صارمة، تعكس في جوهرها عدم ثقة في قدرة الفاعلين على إدارة الأزمة بشكل عقلاني.

خامسًا، المقارنة الانتقائية مع الخارج: في كثير من الأحيان، تُستخدم تجارب دول الجوار لتبرير سياسات داخلية، لكن بشكل انتقائي. فحين ترتفع الأسعار، تُستحضر أمثلة دول أخرى لتبرير ذلك، لكن حين تختار تلك الدول عدم اللجوء إلى التقشف أو التخويف، يغيب هذا الجانب من المقارنة.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا يتم استثمار العلاقات الإقليمية—خاصة مع دول غنية بالطاقة مثل الجزائر—كبديل استراتيجي لتخفيف الضغط الداخلي، بدل تحميل المواطن كلفة الاحتياط المفرط؟

إن المشكلة لا تكمن في مبدأ الحذر ذاته، بل في تحوله إلى سياسة دائمة، تُدار بها الدولة حتى في غياب الخطر المباشر. فالحذر حين يتجاوز حدّه، يتحول إلى عبء نفسي واقتصادي، ويخلق شعورًا دائمًا بالأزمة، حتى في أوقات الاستقرار النسبي.

في النهاية، يحتاج الأمر إلى إعادة توازن دقيقة: بين الاستعداد المشروع للأزمات، وبين الحفاظ على حياة طبيعية لا تُرهقها الإجراءات الاستباقية المبالغ فيها. فالدولة القوية ليست تلك التي تخاف من كل أزمة، بل تلك التي تعرف كيف تديرها دون أن تنقل قلقها إلى شعبها.

وبين الحذر والقلق، هناك خيط رفيع… يبدو أننا في حاجة ملحة لإعادة اكتشافه.

حمادي سيدي محمد آباتي

  • Related Posts

    الجزائر تحول ثكنة عسكرية إلى سجن لتجار المخدرات ومروجيها

    أخباراليوم.   قررت  السلطات الجزائرية تحويل ثكنة عسكرية في منطقة تنزروفت بأقصى جنوب البلاد إلى سجن شديد الحراسة مخصص لكبار تجار المخدرات ومروجيها، في خطوة جديدة لتشديد مكافحة الاتجار بالمخدرات. وأعلنت…

    اقرأ المزيد

    البنك الإفريقي يكشف تفاصيل مشروع لتزويد 80 ألف أسرة موريتانية بالكهرباء

    أخبار اليوم.   كشف البنك الإفريقي للتنمية عن تفاصيل مشروع للربط الكهربائي بين موريتانيا ومالي، يتوقع أن يمكن 80 ألف أسرة موريتانية من الولوج إلى الكهرباء.   وبحسب وثائق نشرها البنك،…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية