أخبار اليوم. لم يعد ضعف نسب النجاح في الباكالوريا مجرد حدث موسمي يتكرر كل عام، بل أصبح مؤشرًا بنيويًا على اختلال عميق في المنظومة التربوية. ومع ذلك، فإن مقاربة وزارة التربية الحالية، بقيادة معالي الوزيرة، تكشف عن وعي واضح بحجم التحدي، وسعي جاد لتداركه عبر إجراءات مباشرة، من قبيل تكثيف الدروس، وتعميم حصص الدعم، وتحسين البيئة المدرسية، فضلًا عن الانفتاح على تجارب ناجحة، وبناء جسور مع قطاعات موازية كالشؤون الإسلامية والتكوين المهني. وهي جهود تستحق التقدير، لأنها تعكس إرادة سياسية وفنية لمواجهة أزمة معقدة.
غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هو: هل تكفي هذه الإجراءات، مهما بلغت جديتها، لمعالجة أزمة تعود جذورها إلى عقود من الاختلالات التراكمية؟
الحقيقة التي لا ينبغي القفز عليها، هي أن الباكالوريا ليست نقطة البداية، بل هي لحظة كشف. فالتلميذ الذي يصل إلى السنة النهائية ليس إلا نتاج مسار طويل من التراخي التربوي، والتساهل في التقويم، والانتقال الآلي بين المستويات. لقد تم، على مدى سنوات، تفريغ الامتحان من وظيفته التربوية كأداة لقياس الكفاءة، ليصبح مجرد إجراء شكلي لا يمنع الانتقال، وهو ما سمح بتراكم فجوات معرفية عميقة منذ السنوات الأولى في التعليم الأساسي.
وهنا تكمن أولى العقد: أزمة التقويم. فحين يُسمح لتلميذ بالمرور من السنة الأولى إلى الخامسة دون رسوب، ودون إخضاعه لاختبارات دقيقة تقيس امتلاكه للمهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، فإننا لا نؤجل الفشل، بل نرحّله ونضاعفه. وعندما يصل هذا التلميذ إلى التعليم الثانوي، يكون قد فقد القدرة على التدارك، لتتحول الباكالوريا إلى جدار صلب يصطدم به الجميع.
أما العقدة الثانية، فهي إشكال اللغة، الذي تفاقم مع ما عُرف بإصلاح 1999. فقد تم اعتماد تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية في بيئة تعليمية لا تتوفر فيها الشروط الأساسية لنجاح هذا الخيار: لا التلميذ متمكن من اللغة، ولا المعلم في المراحل الأولى مؤهل لتأسيسها، ولا الأستاذ في الثانوي متوفر بالكفاية والعدد. وهكذا وجد التلميذ نفسه أمام ثلاث معضلات في آن واحد: فهم المادة العلمية، واستيعاب المصطلح الأجنبي، وترجمة المعنى في ذهنه. إنها عملية مركبة تتجاوز قدرات أغلب التلاميذ في ظل هذا السياق.
ولعل ما يزيد الوضع تعقيدًا، هو أن هذا التحول اللغوي لم يواكبه استثمار حقيقي في تأهيل الموارد البشرية. فقد طُرح حينها خياران: التعاقد مع كفاءات متمكنة من الخارج، أو الاكتفاء بتكوين محلي مزدوج. وتم اختيار الحل الثاني بدافع اعتبارات اجتماعية وسياسية، على رأسها أزمة البطالة، لكن النتيجة كانت واضحة: تكوين غير مكتمل، وأداء لغوي ضعيف، وانعكاس مباشر على جودة التعلمات.
ثم تأتي العقدة الثالثة، وهي هيمنة منطق الكم على حساب الكيف. فقد تمت ترجمة شعار “التعليم للجميع” إلى توسع سريع في الخريطة المدرسية، دون أن يواكبه نفس الجهد في ضمان الجودة. فارتفعت نسب التمدرس، لكن على حساب مستوى التكوين. ومع منع الرسوب في السنوات الأولى، أصبح النظام يضخ سنويًا أعدادًا كبيرة من التلاميذ نحو التعليم الثانوي، دون امتلاك الحد الأدنى من الكفايات. وهو ما يفسر ظاهرة “التضخم الكمي” مقابل “الهشاشة النوعية”.
في ضوء هذا التشخيص، يمكن القول إن الجهود الحالية للوزارة، رغم أهميتها، تظل أقرب إلى معالجة الأعراض منها إلى تفكيك الأسباب. فالدروس الخصوصية والدعم المكثف قد ترفع نسب النجاح ظرفيًا، لكنها لا تعالج أصل الداء.
فما العمل؟ وما الذي يمكن أن يشكل خارطة طريق عملية أمام الوزارة؟
أولًا: إعادة الاعتبار للتقويم التربوي
لا بد من القطع مع الانتقال الآلي، وإرساء نظام تقويم صارم وعادل يضمن أن كل تلميذ لا ينتقل إلا بعد امتلاك الكفايات الأساسية. فالتساهل في البدايات هو أصل التعثر في النهايات.
ثانيًا: حسم إشكال اللغة بشكل شجاع
إما توفير شروط حقيقية لتدريس العلوم بالفرنسية (تكوينًا وتأهيلًا)، أو إعادة النظر في الخيار برمته بما ينسجم مع قدرات التلميذ وبيئته. فاستمرار الوضع الحالي يعني الإبقاء على ازدواجية مشلّة لا تخدم العلم ولا اللغة.
ثالثًا: الاستثمار في المعلم قبل البنية
لا قيمة لبنية تحتية حديثة دون مدرس مؤهل. ينبغي توجيه الجهد الأكبر نحو تكوين المعلمين، خاصة في اللغات والمواد العلمية، مع اعتماد معايير انتقائية أكثر صرامة في الولوج إلى مهنة التعليم.
رابعًا: الانتقال من التوسع إلى التمكين
لم يعد التحدي هو إدخال التلميذ إلى المدرسة، بل تمكينه داخلها. وهذا يقتضي مراجعة السياسات التي ركزت على الأرقام على حساب الجودة، واعتماد مؤشرات أداء تقيس مستوى التعلم لا مجرد نسب الولوج.
خامسًا: إعادة توجيه المسارات
تفعيل التكوين المهني ليس كخيار ثانوي، بل كمسار موازٍ ذي قيمة، يخفف الضغط عن التعليم الأكاديمي، ويمنح فرصًا حقيقية لفئات واسعة من الشباب.
حمادي سيدي محمد آباتي









