أخباراليوم. يعد المشهد في الشرق الأوسط مجرد توتر عابر بين قوى إقليمية، بل يبدو وكأنه حلقة ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة موازين القوة في المنطقة. فالتصعيد المتكرر ضد إيران، سواء عبر العقوبات أو الضربات غير المباشرة أو الحروب بالوكالة، لا يمكن فصله عن سياق أعمق يسعى إلى إعادة ترتيب الإقليم بما يضمن تفوقًا استراتيجيًا دائمًا لـ إسرائيل.
إن القراءة المتأنية لمسار السياسات الأمريكية خلال العقد الأخير، خصوصًا في عهد دونالد ترامب، تكشف أن منطق “الضغط الأقصى” لم يكن مجرد سياسة تفاوضية، بل كان جزءًا من رؤية تعتبر تفكيك مصادر القوة الإقليمية المنافسة شرطًا لإعادة صياغة الخريطة السياسية والاقتصادية للمنطقة. الانسحاب من الاتفاق النووي، تشديد العقوبات، ومحاولات تطويق إيران عبر تحالفات إقليمية، كلها مؤشرات على أن الهدف يتجاوز السلوك النووي إلى إعادة ضبط التوازنات الاستراتيجية.
غير أن الأخطر من التصعيد ذاته، هو استدراج الدول العربية إلى موقع الطرف في مواجهة مباشرة مع إيران. فمثل هذا السيناريو لن يخدم استقرار المنطقة، ولن يحمي العواصم العربية من تداعيات حرب واسعة قد تمتد إلى البنى التحتية للطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية الحيوية. إن أي اشتعال مباشر سيحوّل الخليج إلى ساحة صراع مفتوح، ويهدد الأمن الغذائي والاقتصادي لملايين البشر.
وهم الحسم العسكري
التاريخ القريب يثبت أن الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي بانتصارات حاسمة، بل بإعادة إنتاج الأزمات بأشكال أكثر تعقيدًا. العراق، سوريا، اليمن، ليبيا… كلها شواهد على أن إسقاط التوازن لا يولد استقرارًا بل فراغًا تتنازعه القوى الكبرى. ومن هنا، فإن أي مواجهة شاملة مع إيران لن تكون حربًا خاطفة، بل مسارًا طويلًا من الاستنزاف.
الحاجة إلى مبادرة عربية مبكرة
في هذا السياق، تبرز ضرورة تحرك عربي استباقي يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وتملك مصر، بحكم ثقلها التاريخي وموقعها الجيوسياسي، القدرة على لعب دور الوسيط الإقليمي الذي يجمع ولا يفرق. ويمكن أن تتعزز هذه المبادرة بتنسيق مع الجزائر ذات الرصيد الدبلوماسي في عدم الانحياز، ومع سلطنة عمان التي أثبتت خبرة طويلة في الوساطات الهادئة، فضلًا عن الخبرة السياسية التي راكمتها الدبلوماسية القطرية في إدارة الملفات المعقدة.
المطلوب ليس اصطفافًا جديدًا، بل صيغة إقليمية للحوار الأمني المشترك، تعترف بمخاوف جميع الأطراف وتؤسس لمعادلة “أمن مقابل أمن”، بدل معادلة “ردع مقابل ردع”.
معضلة القواعد العسكرية
أما مسألة القواعد العسكرية الأجنبية، فهي إشكال قانوني وسيادي في آنٍ واحد. صحيح أن وجود قواعد أمريكية في بعض الدول العربية يستند إلى اتفاقيات رسمية، لكن تطور النزاعات قد يضع هذه الدول أمام مخاطر الاستهداف أو التوريط غير المباشر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة استراتيجية لهذه الاتفاقيات، بما يحفظ السيادة الوطنية ويجنب الأراضي العربية أن تتحول إلى منصات صراع.
غير أن المطالبة الفورية بالمغادرة قد لا تكون دائمًا الخيار الأكثر واقعية؛ فالمعادلة الدولية معقدة، والاقتصادات الخليجية مثلًا مرتبطة بمنظومات أمنية وتسليحية يصعب تفكيكها دفعة واحدة. البديل الأكثر فاعلية قد يكون في إعادة التفاوض على طبيعة الأدوار، وتقليص الانخراط العملياتي، وضمان عدم استخدام الأراضي العربية في أي هجوم استباقي.
بين الاستقطاب والاستقلال الاستراتيجي
إن اللحظة الراهنة تضع الدول العربية أمام اختبار تاريخي:
إما الانخراط في استقطاب دولي يعيد إنتاج التبعية، أو السعي نحو استقلال استراتيجي نسبي يقوم على تنويع الشراكات وبناء منظومة أمن إقليمي ذاتي.
الرهان الحقيقي ليس في كسب معركة هنا أو هناك، بل في منع اندلاع حرب شاملة تعيد المنطقة عقودًا إلى الوراء. فالشرق الأوسط لم يعد يحتمل مغامرات كبرى جديدة، وشعوبه التي أنهكتها الأزمات الاقتصادية لا يمكن أن تتحمل موجة اضطراب أخرى.
إن المبادرة اليوم أفضل من الندم غدًا، والحوار—مهما بدا صعبًا—أقل كلفة من الحرب. والسؤال الذي سيحكم التاريخ: هل امتلك العرب الشجاعة السياسية لصياغة مصيرهم، أم تركوا خرائطهم تُرسم في عواصم أخرى؟
حمادي آباتي









