بين العدالة المهنية والانتهازية النقابية: قراءة جدلية في خطاب أزمة التعليم

 

أخباراليوم.    يعد الجدل حول إصلاح التعليم محصورًا في تشخيص الاختلالات، إذ إن الإقرار بوجود أزمة بنيوية في المنظومة التعليمية بات شبه إجماعي. غير أن ما يثير القلق هو تحوّل بعض الخطابات النقابية من المطالبة المشروعة بالتحسين إلى خطاب يزاوج بين الانتقائية والضغط الظرفي، فيغفل شروط الإصلاح الموضوعية، ويستبطن تناقضات تكشف – في بعض الأحيان – مساهمته في تعميق الأزمة التي يدّعي مقاومتها.

ليس كل نقد إصلاحيًّا، وليس كل مطلب عادلًا بمجرد رفعه في صيغة احتجاج.

 

أولًا: الإنذار الإداري بين الانضباط والابتزاز الرمزي

من المفارقات أن يُستنكر توجيه إنذار للمتغيبين في وقت تستنزف فيه الدولة مواردها لضمان استمرارية الخدمة العمومية. فالوظيفة التعليمية ليست التزامًا أخلاقيًا مجردًا، بل عقدًا قانونيًا يفرض واجبات كما يمنح حقوقًا.

إن رفض مساءلة المتغيبين تحت ذريعة “حماية الكرامة المهنية” يخلط بين الاحترام والانضباط. فالمؤسسة التي تعجز عن مساءلة موظفيها تفقد قدرتها على الإصلاح. والانضباط الإداري ليس عدوانًا على المعلم، بل شرطٌ لهيبة المرفق العمومي.

بل إن الدفاع غير المشروط عن كل حالات الغياب – مهما كانت دوافعها – يرسل رسالة خطيرة مفادها أن المساءلة استهداف، وأن الالتزام خيار. وهنا يتحول الخطاب النقابي من أداة حماية للحقوق إلى مظلة تبريرية لممارسات تضعف صورة المعلم ذاته.

 

ثانيًا: المطالبة بعلاوات خارج الإطار التعاقدي: بين الحق والتناقض

من منظور قانوني صرف، العقد شريعة المتعاقدين. فالمتعاقد الذي وقّع اتفاقًا لا يتضمن علاوات معينة، ثم يطالب بها لاحقًا دون إعادة تفاوض قانوني، يمارس ضغطًا سياسيًا لا يستند إلى أساس تعاقدي.

النقاش هنا ليس أخلاقيًا بل مؤسسي:
إذا كان كل اتفاق قابلًا للنقض تحت ضغط الشارع، فما جدوى التعاقد أصلًا؟

إن المطالبة بتحسين الشروط عبر قنوات قانونية مشروعة أمر مفهوم، أما تصوير غياب العلاوات المتفق على عدم إدراجها كـ”ظلم فجّ” فهو توظيف عاطفي يفتقر إلى الدقة القانونية. بل قد يُفضي إلى إضعاف الثقة في أي تعاقد مستقبلي، ويكرّس ثقافة التملص من الالتزامات.

 

ثالثًا: تضخم الموارد البشرية وإشكالية الفعالية

التوسع الأفقي في الخريطة المدرسية، دون ضبط صارم لمعايير الإنشاء والتوزيع، أدى إلى تضخم في الموارد البشرية لا يقابله دائمًا مردود تعليمي نوعي.
إن الدفاع عن كل موقع وظيفي بمعزل عن الحاجة الفعلية للنظام، يُغفل سؤال الكفاءة والجدوى.

التعليم ليس جهاز تشغيل اجتماعي، بل منظومة إنتاج معرفي.
وإذا تحوّل إلى آلية امتصاص بطالة دون تأهيل كافٍ، فإن ذلك ينعكس على جودة التعلمات ويكرّس حلقة مفرغة من التراجع.

كما أن وجود حملة شهادات لم يخضعوا لتكوين بيداغوجي كافٍ يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل الدفاع غير المشروط عن الجميع يخدم التعليم أم يحمي هشاشته؟

 

رابعًا: الاحترام بين الخطاب الرومانسي والواقع المهني

الاحترام لا يُفرض ببلاغ إداري، لكنه أيضًا لا يُنتزع بالشعارات.
إنه نتاج توازن بين الكفاءة، والالتزام، والهيبة الرمزية للمؤسسة.

حين يتحول بعض الفاعلين إلى ممارسة أعمال هامشية تمس استقلاليتهم المهنية، أو يفرغون حضورهم الرمزي من محتواه العلمي، فإنهم يساهمون – موضوعيًا – في تآكل الصورة الاجتماعية للمعلم.
ولا يمكن في الوقت نفسه رفض الانضباط، والمطالبة بالامتيازات، ثم التنديد بتراجع المكانة.

كما أن التحولات المجتمعية – من صعود الفضاء الرقمي إلى تراجع الدور التربوي للأسرة – أضعفت احتكار المدرسة لسلطة التنشئة. غير أن ذلك لا يعفي الفاعل التربوي من مسؤولية تطوير أدواته واستعادة موقعه المعرفي.

 

خامسًا: بين النقد البنّاء والخطاب التعطيلي

إن تصوير الوزارة بوصفها عدوًا بنيويًا للتعليم، في كل إجراء تنظيمي أو تقشفي، يُسهم في خلق مناخ عدائي دائم يعيق الإصلاح.
فإذا كانت هناك مؤشرات – ولو تدريجية – على تحسين ظروف القطاع، فإن إنكارها كليةً يفقد الخطاب مصداقيته.

الإصلاح لا يتم عبر الإنكار الشامل ولا عبر التقديس الأعمى، بل عبر قراءة متوازنة تعترف بالقصور دون أن تحوّل كل إجراء إلى مؤامرة، وكل ضبط إداري إلى استهداف.

بل إن أخطر ما يهدد التعليم ليس فقط ضعف الموارد، بل ثقافة المزايدة التي تجعل كل خطوة إصلاحية مادة للتشكيك، وكل مساءلة اعتداءً على الكرامة.

 

خاتمة

إن الدفاع عن المعلم واجب، لكن تحويله إلى حصانة مطلقة يُقوّض المنظومة.
والمطالبة بالحقوق مشروعة، لكن القفز على الالتزامات يُفقدها مشروعيتها.
وإصلاح التعليم ضرورة وطنية، لكنه لن يتحقق عبر خطاب يُعلي الصوت ويخفض المعايير في آنٍ واحد.

إن الأزمة التعليمية لا تُختزل في قرارات الوزارة، كما لا تُعزى فقط إلى ضعف الإمكانات. إنها نتاج تفاعل بين سياسات عمومية، وممارسات مهنية، وثقافة اجتماعية.
ومن يتجاهل نصيبه من المسؤولية، وهو يرفع لافتة الإصلاح، إنما يضيف طبقة أخرى من الضباب إلى مشهد يحتاج إلى قدر أكبر من الصراحة والانضباط المؤسسي.

  • Related Posts

    الفرق البرلمانية تنظم وقفة تضامنية مع غزة والمسجد الأقصى

      أخبار اليوم.  نظمت الفرق البرلمانية الموريتانية اليوم الخميس وقفة تضامنية مع غزة والمسجد الأقصى.   ونظمت الوقفة أمام مبنى الجمعية الوطنية، على هامش افتتاح الدورة البرلمانية الأولى 2026-2027.  …

    اقرأ المزيد

    أنواذيبو ..المصالح الرسمية تتسلم حصة الولتية من الكتب المدرسية

    أخبار اليوم.  تسلمت السلطات ، اليوم الخميس، بمباني الإدارة الجهوية للمعهد التربوي الوطني بمدينة نواذيبو، حصة الولاية من الكتب المدرسية المخصصة لمختلف المستويات التعليمية. ،وأوضح المدير الجهوي للمعهد التربوي الوطني،…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية