أخباراليوم. في المحطات الوطنية الكبرى، لا تُقاس دلالة الحدث فقط بما يُقال فيه، بل بما يكشفه من بُنى اجتماعية عميقة، ومن امتدادات بشرية تتجاوز الجغرافيا الإدارية لتلامس معنى المواطنة في أوسع تجلياتها. وقد مثّلت الزيارة الرئاسية الأخيرة لولاية كوركول، وما رافقها من حشد وتنظيم، مناسبة كاشفة لهذا البعد، حيث بدا واضحًا أن الانسجام الاجتماعي ليس شعارًا ظرفيًا، بل واقعًا حيًا يتجدد في كل محطة جامعة.
لقد عكست محطات كيهيدي ولكصيبة ومونكل صورة مجتمع متماسك، واسع الامتداد، متجذر الحضور، لا يحتاج إلى إعلان اسمه حتى يُعرف، ولا إلى توصيفه حتى يُدرك أثره. مكوّن وطني الانتشار، حاضر أفقيًا في مختلف ولايات الوطن، وله وجود معتبر في كوركول، خاصة في مقاطعات كيهيدي ولكصيبة ومونكل، حضور تأسس عبر تاريخ طويل من الاستقرار والعمل المشترك والتداخل الاجتماعي والمشاركة في الفضاء العام.
وقد عرف هذا الامتداد في مراحل سابقة اختلالات مرتبطة بالتقطيع الإداري، حيث لم تكن الخارطة الإدارية تعكس دومًا حجمه الديمغرافي ولا عمقه الانتخابي، فظل تمثيله المؤسسي دون مستوى حضوره الفعلي. غير أن المأمورية الأولى لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، شكّلت منعطفًا مهمًا في هذا المسار، إذ جاء التقطيع الإداري الجديد أكثر اقترابًا من الواقع الاجتماعي وأكثر إنصافًا للامتدادات البشرية.
فعلى مستوى ولاية كوركول، تم استحداث بلدية تنكل بما جسّد هذا الحضور إداريًا بعد أن كان قائمًا اجتماعيًا. أما بلدية كنكي، فهي بلدية قائمة منذ فترة سابقة، غير أن التقطيع الجديد عزز مكانتها ورسّخ تمثيل هذا المكوّن داخلها بصورة أوضح. كما تعزّز حضوره داخل بلديات قائمة أخرى من خلال تمثيل بلدي فاعل في لكصيبة وتوفوندسيف، مما عمّق مشاركته في التسيير المحلي ورسّخ اندماجه في القرار العمومي القاعدي.
وامتد أثر هذا الإنصاف إلى ولاية لبراكنة، عبر استحداث بلدية الرومد وبلدية الواد الأبيض بمقاطعة مال، وهو ما يعكس اتساق الامتداد الاجتماعي عبر ولايتين، ووحدة المجال البشري رغم اختلاف التقسيمات الإدارية.
لقد كان لهذا التحول أثر مباشر في تعزيز الشعور بالمواطنة وتكريس الثقة في الدولة وتحفيز المشاركة السياسية والاجتماعية. وهو ما تجلّى في حجم الحشود الشعبية التي استقبلت فخامة رئيس الجمهورية في كيهيدي، وفي الزخم التنظيمي الذي رافق محطتي لكصيبة ومونكل، حيث حضرت وفود من مختلف ولايات الوطن، في مشهد يؤكد أن الانتماء هنا وطنيّ في عمقه، تضامنيّ في روحه، جامعّ في معناه.
إن قراءة هذا الحضور خارج منطق التسمية لا تعني الغموض، بل تعكس وعيًا بأن القيمة ليست في الاسم بل في الدور، ليست في التصنيف بل في الإسهام. فالمكوّن الذي نتحدث عنه انخرط في اللحظة الوطنية باعتباره جزءًا أصيلًا من الكل، يرى في استقرار الوطن وتنميته مسؤولية مشتركة.
وإذا كان من حق المنصف أن يُشيد بما تحقق من تصحيح إداري أعاد الاعتبار لامتدادات اجتماعية ظلت لسنوات لا تستفيد من عمقها الانتخابي ولا من حضورها الديمغرافي، فإن من حق الطموح المشروع أيضًا أن يُعبَّر عنه في إطار الثقة والاحترام.
ومن هذا المنطلق، نتوجه – بروح الامتنان والتقدير – إلى فخامة رئيس الجمهورية، لمواصلة مسار الإنصاف الإداري وتعميق العدالة المجالية، عبر النظر في مطالب موضوعية تستند إلى معايير الكثافة السكانية والامتداد الجغرافي والحيوية الاقتصادية.
وفي مقدمة هذه المطالب، ترقية الرشيد بيكانت إلى مقاطعة، واستحداث مقاطعة في أم فنادش بالحوض الشرقي، بما يعكس ثقلها السكاني وموقعها الاستراتيجي، إضافة إلى ترقية بلدية تامورت انعاج إلى مقاطعة، بالنظر إلى عمقها الانتخابي ومجالها الحيوي. كما يظل مطروحًا، في الجنوب، خيار ترقية إحدى البلديات ذات الكثافة إلى مقاطعة، مع استحداث بلدية جديدة تكون عاصمتها، سواء تعلّق الأمر بـ انتاكش أو أكنيكر أو بور آكه، وفق ما تخلص إليه الدراسات الفنية والمعايير المعتمدة.
إنها مطالب تُطرح بروح الدولة لا بروح الفئوية، وبمنطق الاستكمال لا بمنطق الاستدراك، إيمانًا بأن مسار الإصلاح الذي بدأ قادر على أن يبلغ مداه، وأن ترسيخ التوازن الإداري أحد أعمدة الاستقرار والتنمية.
وهكذا، فإن زيارة الرئيس لكوركول لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل لحظة وطنية دعمت الانسجام الاجتماعي، وأكدت أن موريتانيا تُبنى بتلاقي امتداداتها، وبإنصافها الإداري، وبقدرتها على تحويل التنوع إلى قوة. وفي مثل هذه اللحظات، يكون الأجدر أن نصغي لما يقوله الامتداد حين يتكلم، لا أن نحبسه في حدود التسمية أو اختزال التصنيف.









