أخبار اليوم. يتصاعد الجدل هذه الأيام في موريتانيا حول السياسة الضريبية، بعد قرارات مست قطاعات واسعة من حياة المواطنين اليومية، من رفع الرسوم على خدمات الهاتف، إلى فرض اقتطاعات على التحويلات المالية والدفع الإلكتروني عبر منصات مثل بنكيلي ومصرفي، وغيرها من أدوات السداد الحديثة.
وهو جدل مشروع، لأن ما يُسوَّق بوصفه “إصلاحاً مالياً” يخفي في كثير من جوانبه حقاً أُريد به باطل.
فالضرائب، من حيث المبدأ، مورد أساسي للدولة، ولا قيام لدولة حديثة دون نظام جبائي يمكّنها من تمويل الميزانية، وبناء المؤسسات، وتوفير البنية التحتية. غير أن الإشكال في موريتانيا لا يتعلق بوجود الضرائب، بل بالعقلية التي تحكم استخدامها.
اقتصاد ضيق… وجباية تتسع
يعاني الاقتصاد الموريتاني من ضيق قاعدته الإنتاجية، واعتماده المفرط على:
الريع المعدني،
الصيد الخام دون تصنيع حقيقي،
الاستهلاك والتحويلات.
في مقابل ضعف الصناعة، وهشاشة الزراعة، وغياب سلاسل القيمة المضافة.
وفي مثل هذا السياق، يصبح الخيار الأسهل أمام الدولة هو زيادة الضرائب على نفس الوعاء المحدود، بدل توسيعه عبر خلق أنشطة جديدة وفرص عمل حقيقية.
هكذا تتحول الجباية من أداة لتمويل الدولة إلى بديل عن السياسة الاقتصادية.
منطق الأجور الغائب
لو وُجدت رؤية إنتاجية، لكان الطريق الطبيعي لزيادة مداخيل ضريبة الأجور (ITS) هو:
خلق وظائف،
رفع الأجور،
توسيع الطبقة الوسطى.
لكن ما يحدث فعلياً هو العكس:
تُفرض رسوم إضافية على نفس الدخل، أحياناً تحت مسميات مختلفة، وكأن المشكلة في الاسم لا في الأثر.
زيادة الأجور في موريتانيا صعبة لأنها تتطلب اقتصاداً منتجاً واستثماراً طويل النفس.
أما زيادة الضرائب، فهي قرار إداري سريع، لا يحتاج سوى شجاعة على المجتمع، لا على الإصلاح.
ضرائب الهاتف والدفع الإلكتروني: معاقبة الاندماج المالي
الأكثر إثارة للقلق هو فرض رسوم على:
خدمات الهاتف،
التحويلات الصغيرة،
والدفع الإلكتروني.
وهنا تظهر مفارقة صارخة:
الدولة التي تعلن محاربة الاقتصاد غير المهيكل، هي نفسها التي ترفع كلفة الاندماج في النظام المالي.
والدولة التي تتحدث عن الشمول المالي، تجعل استخدامه مكلفاً، فتدفع المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، إلى:
العودة للنقد الورقي،
والابتعاد عن القنوات الرسمية،
وتوسيع الاقتصاد الموازي بدل تقليصه.
إن الضرائب على التحويلات لا تطال رأس المال الكبير، بل تمس الفئات الهشة، والأسر التي تعيش على تحويلات محدودة.
المختار ولد اجاي: من الجباية إلى القرار الاقتصادي
ولا يمكن فهم هذا التوجه دون التوقف عند المسار الإداري لشخصية محورية مثل المختار ولد اجاي، الذي شغل منصب المدير العام للضرائب سنة 2009، وكان ذلك المنصب مصعداً حقيقياً في مسيرته داخل الدولة، وصولاً إلى أعلى مواقع القرار الاقتصادي والمالي.
لقد رسّخ هذا المسار عقلية الجباية كحلّ، لا كنتاج للنمو.
وكان يُنتظر، بحكم معرفته الدقيقة بحدود الجباية ومخاطرها، أن يكون من دعاة:
تحويل الثروة إلى صناعة،
والريع إلى إنتاج،
والجباية إلى نتيجة طبيعية للنشاط الاقتصادي.
غير أن الواقع يشير إلى أن التركيز ظل منصباً على تحسين أدوات التحصيل، لا على تغيير بنية الاقتصاد.
الدولة القوية لا تُبنى بالفواتير
الدولة الموريتانية لا تعاني نقصاً في الضرائب، بل نقصاً في:
الرؤية الاقتصادية،
الجرأة على الإصلاح الهيكلي،
والقدرة على تحويل الثروات إلى قيمة مضافة.
الدولة القوية لا تُقاس بعدد الرسوم المفروضة، بل بعدد فرص العمل التي تخلقها، والمصانع التي تُقام، والقطاعات التي تُنتج.
أما تحويل الجباية إلى سياسة اقتصادية، فهو إعلان غير مباشر عن العجز.
وإذا استمر هذا النهج، فإن الكلفة لن تكون مالية فقط، بل اجتماعية وسياسية:
اتساع الفقر،
تآكل الثقة،
واتساع الفجوة بين الدولة والمواطن.
وهي كلفة لا تعوضها أي زيادة ضريبية.









