حين ينهزم الحلم

 

أخبار اليوم.    في هذا البلد، لا تُهزم الأحلام دفعة واحدة،
إنها تُستنزف ببطء، باسم الحكمة أحيانًا، وباسم “مراعاة التوازنات” غالبًا،
حتى تستيقظ ذات يوم لتكتشف أن الحلم لم يُقتل، بل أُقصي بأدب.

في قطاع التربية، حيث يفترض أن تكون الكفاءة هي اللغة الوحيدة المفهومة، تتكرر مفارقة صامتة: من يشتغل في الهامش الجغرافي يُطالب بمعجزات، ومن يتموضع قرب المركز تُكفيه العلاقات. في الأطراف، تُقاس الجهود بعدد الأقسام التي اشتغلت رغم النقص، وبالبرامج التي نُفذت رغم ضعف الوسائل. وفي المركز، تُقاس الأمور بميزان آخر، لا تظهر أرقامه في التقارير.

هناك من اختار أن يكون مفتشًا بالمعنى القديم للكلمة: حضورٌ دائم، توجيهٌ صارم، وانحياز واضح للمدرسة العمومية باعتبارها العمود الفقري لما تبقى من فكرة الدولة. اشتغل في مقاطعة حدودية، حيث لا تغطي الشبكات إلا بالكاد، لكن تغطيها الإرادة. صنع مع طواقمه نتائج جعلت الأرقام تتكلم، لا في خطاب موسمي، بل في تقييم وطني شامل شهد له الجميع، حتى من لا مصلحة لهم في الشهادة.

في لحظة كهذه، يولد الأمل طبيعيًا:
أمل أن تكون الجمهورية قد تذكرت أحد أبنائها.
أمل أن يكون الإصلاح أكثر من لافتة تُرفع ثم تُطوى.

لكن الأمل في موريتانيا غالبًا ما يُستدعى ليُربَّت على كتفه ثم يُطلب منه الانتظار، لأن “المرحلة حساسة”، و”التوازنات دقيقة”، و”القرار لا يُتخذ تقنيًا فقط”.

وهنا تبدأ الأسئلة المؤلمة.

أيّ توازنات تلك التي تجعل الكفاءة عنصرًا مزعجًا؟
وأيّ حساسية تُبرر القفز على الاستحقاق؟
وكيف يُطلب من المدرسة العمومية أن تُصلح نفسها، بينما يُكافأ من يفرغها من الداخل، عبر تسويات مع التعليم الخصوصي، تُسجَّل فيها الأسماء هنا، وتُدفع الرسوم هناك، وتُسلَّم النتائج في صمتٍ مُريب؟

في هذا المناخ، يصبح الالتزام عبئًا، ويصير الإصرار على القانون نوعًا من السذاجة المهنية. من يرفض “التكيّف” يُوصَف بغير المرن، ومن يساير يُقدَّم بوصفه واقعيًا. وهكذا، لا يُقصى النزيه لأنه فاشل، بل لأنه لم يتعلم بعدُ كيف يخفف من ثقله الأخلاقي.

الخذلان هنا ليس شخصيًا، بل بنيويًا.
خذلان فكرة أن الوطن يتسع لأبنائه دون وساطة.
خذلان الإيمان بأن الخدمة في الهامش قد تُكافأ يومًا، لا أن تُنسى.

ثم يأتي العذر الجاهز، المصقول بعناية:
مراعاة التوازنات.

لكن، متى أصبحت التوازنات نقيضًا للكفاءة؟
ومتى تحوّل الحرص على الاستقرار إلى عقوبة للجدّية؟
وهل يُبنى قطاع حيوي كالتعليم على طمأنة الجميع، أم على إنصاف من يستحق؟

الخاتمة في مثل هذه القصة لا تكون مريحة.
لأن الوجع الحقيقي ليس في ضياع منصب، بل في الرسالة التي تُبعث دون كلام:
أن لا أحد يُخطئ إن خذل الحلم،
وأن النزاهة لا تزال فضيلة شخصية، لا معيارًا عموميًا.

وحين ينهزم الحلم في التربية،
لا يخسر مفتشٌ كفؤ فقط،
بل تخسر المدرسة روحها،
وتخسر الجمهورية شاهدًا كان يمكن أن يُثبت أن الإصلاح، في هذا البلد، ليس مستحيلًا… فقط غير مرغوب فيه أحيانًا.

  • Related Posts

    الفرق البرلمانية تنظم وقفة تضامنية مع غزة والمسجد الأقصى

      أخبار اليوم.  نظمت الفرق البرلمانية الموريتانية اليوم الخميس وقفة تضامنية مع غزة والمسجد الأقصى.   ونظمت الوقفة أمام مبنى الجمعية الوطنية، على هامش افتتاح الدورة البرلمانية الأولى 2026-2027.  …

    اقرأ المزيد

    أنواذيبو ..المصالح الرسمية تتسلم حصة الولتية من الكتب المدرسية

    أخبار اليوم.  تسلمت السلطات ، اليوم الخميس، بمباني الإدارة الجهوية للمعهد التربوي الوطني بمدينة نواذيبو، حصة الولاية من الكتب المدرسية المخصصة لمختلف المستويات التعليمية. ،وأوضح المدير الجهوي للمعهد التربوي الوطني،…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية