أخبار اليوم. ليس جديدًا في التاريخ أن تعيد القوة تعريف الأخلاق، ولا أن تُصاغ القوانين على مقاس المنتصر. الجديد فقط هو اللغة، أما الجوهر فواحد: الإمبراطورية لا تعترف بجرائمها، بل تسميها نظامًا.
من روما القديمة، مرورًا بالاستعمار الأوروبي، وصولًا إلى النظام الأمريكي المعاصر، تتكرر القاعدة نفسها: من يملك القوة يملك حق تسمية الفعل، لا مساءلته.
روما: حين كانت الغلبة قانونًا
في روما، لم يكن التوسع العسكري جريمة، بل فضيلة.
احتلال الأراضي كان «تمدينًا»، ونهب الثروات «جزية»، وسحق الشعوب «فرضًا للنظام».
لم تكن روما تحتاج إلى تبرير أخلاقي معقّد؛ كانت صريحة:
القوة تصنع الحق، ومن هُزم فقد أهليته السياسية والأخلاقية.
وهكذا وُلد أول نموذج لإمبراطورية لا ترى نفسها معتدية، بل مركز العالم، وكل ما خارجها هامش يحتاج إلى الضبط.
الاستعمار الأوروبي: الأخلاق حين تتقن النفاق
مع الاستعمار الأوروبي، تطور الخطاب دون أن يتغير الجوهر.
لم يعد الاحتلال يُسمّى احتلالًا، بل «رسالة حضارية».
ولم يعد النهب سرقة، بل «استثمارًا».
ولم يعد القتل إبادة، بل «إدارة للسكان».
هنا ظهر أخطر تحول: تحالف القوة مع الخطاب الأخلاقي.
أصبحت الجريمة تحتاج إلى تبرير فلسفي، وأصبحت الضحية مطالبة بالشكر.
وفي قلب هذا التحول، وُلدت أكبر جريمة سياسية في العصر الحديث: فلسطين.
احتلال استيطاني صُوِّر كعودة تاريخية، وتهجير شعب سُوِّق كحل إنساني، ومقاومة وُصِفت بالإرهاب.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد القانون الدولي مرجعية، بل أداة انتقائية.
النظام الأمريكي: الإمبراطورية التي تدّعي أنها لا إمبراطورية
أما النظام الأمريكي، فقد بلغ ذروة التطور الإمبراطوري:
إمبراطورية تنكر كونها إمبراطورية.
لا تحتل رسميًا، بل «تتدخل».
لا تُسقط أنظمة، بل «تدعم الديمقراطية».
لا تختطف رؤساء، بل «تحمي الأمن العالمي».
اختطاف رئيس بنما من قصره لم يُقدَّم كجريمة، بل كعملية قانونية.
وتحويل دول كاملة إلى ساحات فوضى لم يُوصف كعدوان، بل كأخطاء تكتيكية.
هنا، لم تعد الإمبراطورية بحاجة إلى الجيوش فقط، بل إلى الإعلام، والمنظمات، واللغة.
أصبحت المفردات جزءًا من الترسانة.
السيادة: من الوهم إلى العبرة
في هذا السياق، يُطرح سؤال السيادة في دول الجنوب.
لكن التاريخ يُجيب بوضوح: السيادة التي لا تستند إلى إرادة شعبية مستقلة ليست سيادة، بل تفويض مؤقت.
القصور، والتحصينات، والحراس، لا تحمي من قرار إمبراطوري.
الحاكم الذي يبقى بغير شعب، يبقى رهينة.
وهكذا، يصوب الأخ سلاحه إلى أخيه، لا دفاعًا عن وطن، بل دفاعًا عن كرسي.
وتُستبدل السياسة بالخوف، والشرعية بالبقاء.
الفلسفة: حين تُختزل الحياة في القصر
كل إمبراطورية وعدت أتباعها بالأمان، وكلها كذبت.
فلسفيًا، السلطة التي تُبنى على نفي الآخر تنتهي بنفي صاحبها.
بعد القصر قبر،
وبعد القبر حساب،
ولا إمبراطوريات هناك.
إما حياة بلا ظلم،
أو عذاب بلا انقطاع.
خاتمة التاريخ المفتوح
روما سقطت،
والاستعمار تفكك،
والنظام الأمريكي ليس استثناءً من قوانين التاريخ.
الفرق الوحيد أن سقوطه لن يُعلن من واشنطن، بل من الأطراف التي تعبت من لعب دور المتهم الدائم.
فالسؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة اليوم؟
بل: من سيدفع ثمن استخدامها غدًا؟
