من روما إلى واشنطن: كيف تعيد الإمبراطوريات تعريف الجريمة؟

 

أخبار اليوم.   ليس جديدًا في التاريخ أن تعيد القوة تعريف الأخلاق، ولا أن تُصاغ القوانين على مقاس المنتصر. الجديد فقط هو اللغة، أما الجوهر فواحد: الإمبراطورية لا تعترف بجرائمها، بل تسميها نظامًا.

من روما القديمة، مرورًا بالاستعمار الأوروبي، وصولًا إلى النظام الأمريكي المعاصر، تتكرر القاعدة نفسها: من يملك القوة يملك حق تسمية الفعل، لا مساءلته.

روما: حين كانت الغلبة قانونًا

في روما، لم يكن التوسع العسكري جريمة، بل فضيلة.
احتلال الأراضي كان «تمدينًا»، ونهب الثروات «جزية»، وسحق الشعوب «فرضًا للنظام».

لم تكن روما تحتاج إلى تبرير أخلاقي معقّد؛ كانت صريحة:
القوة تصنع الحق، ومن هُزم فقد أهليته السياسية والأخلاقية.

وهكذا وُلد أول نموذج لإمبراطورية لا ترى نفسها معتدية، بل مركز العالم، وكل ما خارجها هامش يحتاج إلى الضبط.

الاستعمار الأوروبي: الأخلاق حين تتقن النفاق

مع الاستعمار الأوروبي، تطور الخطاب دون أن يتغير الجوهر.
لم يعد الاحتلال يُسمّى احتلالًا، بل «رسالة حضارية».
ولم يعد النهب سرقة، بل «استثمارًا».
ولم يعد القتل إبادة، بل «إدارة للسكان».

هنا ظهر أخطر تحول: تحالف القوة مع الخطاب الأخلاقي.
أصبحت الجريمة تحتاج إلى تبرير فلسفي، وأصبحت الضحية مطالبة بالشكر.

وفي قلب هذا التحول، وُلدت أكبر جريمة سياسية في العصر الحديث: فلسطين.
احتلال استيطاني صُوِّر كعودة تاريخية، وتهجير شعب سُوِّق كحل إنساني، ومقاومة وُصِفت بالإرهاب.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد القانون الدولي مرجعية، بل أداة انتقائية.

النظام الأمريكي: الإمبراطورية التي تدّعي أنها لا إمبراطورية

أما النظام الأمريكي، فقد بلغ ذروة التطور الإمبراطوري:
إمبراطورية تنكر كونها إمبراطورية.

لا تحتل رسميًا، بل «تتدخل».
لا تُسقط أنظمة، بل «تدعم الديمقراطية».
لا تختطف رؤساء، بل «تحمي الأمن العالمي».

اختطاف رئيس بنما من قصره لم يُقدَّم كجريمة، بل كعملية قانونية.
وتحويل دول كاملة إلى ساحات فوضى لم يُوصف كعدوان، بل كأخطاء تكتيكية.

هنا، لم تعد الإمبراطورية بحاجة إلى الجيوش فقط، بل إلى الإعلام، والمنظمات، واللغة.
أصبحت المفردات جزءًا من الترسانة.

السيادة: من الوهم إلى العبرة

في هذا السياق، يُطرح سؤال السيادة في دول الجنوب.
لكن التاريخ يُجيب بوضوح: السيادة التي لا تستند إلى إرادة شعبية مستقلة ليست سيادة، بل تفويض مؤقت.

القصور، والتحصينات، والحراس، لا تحمي من قرار إمبراطوري.
الحاكم الذي يبقى بغير شعب، يبقى رهينة.

وهكذا، يصوب الأخ سلاحه إلى أخيه، لا دفاعًا عن وطن، بل دفاعًا عن كرسي.
وتُستبدل السياسة بالخوف، والشرعية بالبقاء.

الفلسفة: حين تُختزل الحياة في القصر

كل إمبراطورية وعدت أتباعها بالأمان، وكلها كذبت.
فلسفيًا، السلطة التي تُبنى على نفي الآخر تنتهي بنفي صاحبها.

بعد القصر قبر،
وبعد القبر حساب،
ولا إمبراطوريات هناك.

إما حياة بلا ظلم،
أو عذاب بلا انقطاع.

خاتمة التاريخ المفتوح

روما سقطت،
والاستعمار تفكك،
والنظام الأمريكي ليس استثناءً من قوانين التاريخ.

الفرق الوحيد أن سقوطه لن يُعلن من واشنطن، بل من الأطراف التي تعبت من لعب دور المتهم الدائم.

فالسؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة اليوم؟
بل: من سيدفع ثمن استخدامها غدًا؟

  • Related Posts

    وزيرة التربية: رصد حالات غش “مخيفة” باستخدام أجهزة مرتبطة بخدمة ستارلينك

    أخباراليوم.   قالت وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، هدى باباه، إن المسابقات الوطنية الأخيرة كشفت عن أساليب غش جديدة وصفتها بـ”المخيفة”، من بينها استئجار منازل قرب بعض مراكز الامتحان لاستخدام أجهزة…

    اقرأ المزيد

    موريتانيا تدين المخططات الإرهابية التي استهدفت المغرب

    أخبار اليوم.   أدانت موريتانيا بشدة، المخططات الإرهابية التي استهدفت أمن واستقرار المملكة المغربية الشقيقة. وأشادت موريتانيا في بيان لوزارة الخارجية، اليوم، باليقظة والكفاءة التي أظهرتها الأجهزة الأمنية المغربية في إحباط…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية