أخبار اليوم. ليست الوحدة الوطنية في موريتانيا شعارًا يُرفع عند المناسبات، ولا عبارةً تُستدعى في الخطب الرسمية فحسب، بل هي قدرٌ تاريخي تشكّل عبر قرون من التعايش، وصهرته الجغرافيا، وحمته القيم، ورعته ذاكرة جماعية آمنت بأن الوطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه. لقد فرض الموقع الجغرافي لموريتانيا، باعتبارها حلقة وصل بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، نموذجًا فريدًا من التداخل الإنساني والثقافي، جعل من التنوّع سمة أصيلة لا طارئة، ومن التعايش خيارًا وجوديًا لا ترفًا سياسيًا.
في موريتانيا، يمثّل الشعب بكل مكوّناته سواد العيون وبياضها؛ فلا جمال للعين إن فقدت أحدهما، ولا قوّة للوطن إن اختلّ توازن نسيجه الاجتماعي. العرب والزنوج الأفارقة، بمختلف أعراقهم وثقافاتهم ولغاتهم، يشكّلون لوحة إنسانية فريدة، لا تتنافى فيها الخصوصيات، بل تتكامل لتنتج هوية وطنية جامعة، عنوانها الانتماء لموريتانيا قبل كل شيء. هذا التنوع لم يكن يومًا عامل ضعف، بل شكّل عبر التاريخ مصدر ثراء ثقافي واجتماعي، انعكس في العادات والتقاليد، وفي أنماط العيش، وفي أشكال التعبير الفني والأدبي.
لقد علّمنا التاريخ أن التنوع، حين يُدار بالحكمة، يصبح مصدر غنى وقوّة، وحين يُترك للفرقة وسوء التوظيف، يتحول إلى عبء يهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي. وموريتانيا، بحكمتها الاجتماعية والدينية، اختارت منذ زمن طريق التعايش والتسامح، حيث جمع الإسلام بين القلوب، وربطت الجيرة والمصاهرة والمصالح المشتركة بين المكوّنات، فصار الاختلاف عامل إثراء لا سبب صراع. وكان للعلماء والوجهاء والأطر التقليدية دور محوري في ترسيخ ثقافة السلم الاجتماعي، وتغليب منطق الحكمة على نزعات التوتر والانقسام.
واليوم، تتأكد الحاجة إلى تعزيز الوحدة الوطنية أكثر من أي وقت مضى، لا باعتبارها خطابًا عاطفيًا، بل بوصفها ركيزة أساسية للأمن والاستقرار والتنمية المستدامة. فالعالم يشهد تحولات متسارعة، وتحديات معقّدة، لا مكان فيها للدول المنقسمة أو المجتمعات المتنازعة. التنمية لا تزدهر إلا في بيئة مستقرة، والاستثمار لا يطرق أبواب وطنٍ يتنازع أبناؤه، والتقدم لا يتحقق إلا حين يشعر كل مواطن، دون استثناء، أنه شريك كامل في الحاضر، وصانع حقيقي للمستقبل.
والوحدة الوطنية الحقة لا تعني ذوبان الهويات أو إنكار الخصوصيات الثقافية واللغوية، بل احترامها وصونها ضمن إطار جامع يضمن العدالة والمساواة. وهي لا تقوم على الإقصاء أو التهميش، بل على تكافؤ الفرص، وسيادة القانون، والإنصاف في توزيع الثروة والخدمات. كما تُبنى عبر تعليم جامع يعزز قيم المواطنة، وإعلام مسؤول يبتعد عن خطاب الكراهية، وخطاب عام يعلي من شأن المشترك الوطني، ويكرّس ثقافة الاعتراف المتبادل.
إن الحفاظ على موريتانيا قويةً موحّدة يتطلب وعيًا جماعيًا بأن مستقبلنا واحد، وأن أي شرخ في الجدار الوطني هو ثغرة ينفذ منها الضعف والتراجع. كما يتطلب تعاونًا صادقًا بين الدولة والمجتمع، وبين النخب والشباب، وبين الماضي والحاضر، من أجل بناء دولة حديثة، عادلة، وقادرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها. فالشباب، بما يحملونه من طموح ووعي، يشكّلون رهان الحاضر والمستقبل، ولا يمكن إشراكهم بفعالية إلا في وطن يشعرون فيه بالانتماء والعدالة.
موريتانيا ليست أرضًا وحدودًا فحسب، بل رسالة تعايش، ونموذج وحدة، وحلم أمةٍ آمنت بأن قوّتها في تنوعها، وأن بياض عيونها لا يكتمل إلا بسوادها، وأن الوطن حين يجمع أبناءه لا يُهزم. وهي تجربة إنسانية تستحق أن تُصان، وأن تُنقل للأجيال باعتبارها رصيدًا وطنيًا لا يقل أهمية عن الثروات الطبيعية.
خاتمة
في زمن تتكاثر فيه التحديات الإقليمية والدولية، وتتعاظم فيه رهانات التنمية والعدالة والكرامة الإنسانية، تبقى الوحدة الوطنية في موريتانيا صمام الأمان الأول، والركيزة التي لا غنى عنها لأي مشروع نهضوي حقيقي. فهي ليست خيارًا ظرفيًا، ولا مطلبًا مرحليًا، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي الفرد، وتترسخ في الأسرة، وتتجسد في المدرسة، وتتقوى في الخطاب العام، وتُترجم في السياسات العمومية.
إن موريتانيا القوية هي موريتانيا التي يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء لا تابعون، وبناة لا متفرجون، وحراس للوطن لا غرباء فيه. وهي موريتانيا التي تجعل من تنوعها الثقافي واللغوي رافعةً للإبداع، ومن اختلاف مكوّناتها مصدر توازن، ومن تاريخها المشترك جسرًا يعبر به الجميع نحو مستقبل أكثر إشراقًا. وحين نؤمن، قولًا وعملًا، بأن الوطن يسع الجميع، وأن الكرامة حق مشترك، وأن العدل أساس الاستقرار، تصبح الوحدة الوطنية ممارسة يومية لا شعارًا، وثقافة راسخة لا ردّة فعل. عندها فقط، تستطيع موريتانيا أن تمضي بثقة نحو التنمية، وأن تحجز مكانها المستحق بين الأمم، دولةً موحّدة، قوية، ومتقدمة، يحمل أبناؤها الوطن في قلوبهم، ويحملهم الوطن على طريق الأمل والازدهار.
