أخبار اليوم. قال الصحفي المتخصص في الشأن الأفريقي محفوظ ولد السالك إن الخلاف المتصاعد بين نيجيريا وبوركينا فاسو يعكس في جوهره توتراً أوسع بين نيجيريا من جهة ودول تحالف الساحل، مالي والنيجر وبوركينا فاسو، من جهة أخرى، مشيراً إلى أن جذور الأزمة تعود إلى موقف نيجيريا داخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» من الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول الساحل خلال السنوات الماضية.
وأضاف في مقابلة مع قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية مساء أمس الثلاثاء، أن نيجيريا كانت من بين الدول التي تبنت موقفاً متشدداً تجاه الانقلابات العسكرية، ورفضت بشكل قاطع إطاحة الأنظمة المدنية المنتخبة، كما دعمت داخل «إيكواس» إجراءات وعقوبات اقتصادية هدفت إلى الضغط على السلطات العسكرية في دول الساحل وإعادتها إلى المسار الدستوري.
وأكد ولد السالك أن هذه المواقف أسهمت في توتر العلاقات بين نيجيريا ودول الساحل الثلاث، التي باتت تنظر إلى أبوجا باعتبارها من الدول التي لعبت دوراً رئيسياً في فرض موقف «إيكواس» تجاه الانقلابات، مضيفاً أن الخلاف لم يعد مقتصراً على المواقف السياسية، بل امتد إلى طبيعة التحالفات الإقليمية والأمنية في غرب إفريقيا.
وأشار إلى أن بوركينا فاسو، التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية لتحالف دول الساحل، هي التي أصدرت البيان الأخير بشأن الخلاف مع نيجيريا، موضحاً أن استدعاء القائمة بالأعمال النيجيرية في واغادوغو جرى بحضور ممثلين دبلوماسيين عن مالي والنيجر، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، الطابع الثلاثي للموقف، وإن تولت بوركينا فاسو التعبير عنه رسمياً بحكم رئاستها للتحالف.
وأوضح أن العلاقات بين واغادوغو وأبوجا شهدت في نهاية عام 2025 أزمة حادة على خلفية هبوط اضطراري لطائرة نيجيرية كانت تقل عسكريين في الأراضي البوركينية. وبينما قالت نيجيريا إن الهبوط نجم عن عطل فني، احتجزت السلطات البوركينية أفراد الطاقم ومن كانوا على متن الطائرة، كما وضعت الطائرة تحت سيطرتها، قبل أن تتجه الأزمة نحو التهدئة عقب اعتذار نيجيريا، وفق ولد السالك.
وفي ما يتعلق بتصريحات الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو حول الوضع الأمني في منطقة الساحل، قال ولد السالك إن التصريحات يمكن قراءتها، من الناحية الداخلية، في سياق سياسي وانتخابي، باعتبار أن تينوبو يسعى إلى ولاية رئاسية ثانية، مضيفاً أن حديثه ربط بين تصاعد الهجمات المسلحة في دول تحالف الساحل وبين تدهور الوضع الأمني في نيجيريا.
وشدد على أن دول الساحل شهدت بالفعل خلال الفترة الأخيرة تصاعداً في وتيرة الهجمات المسلحة، بما في ذلك استهداف مناطق حساسة وقريبة من مراكز القرار، مستشهداً بالهجمات المنسقة التي شهدتها مالي واستهدفت سبع مدن، من بينها العاصمة باماكو ومدينة كاتي القريبة منها، إضافة إلى الهجمات التي استهدفت مطار نيامي في النيجر أكثر من مرة.
لكنه أكد أن الربط المباشر بين تصاعد الهجمات في دول الساحل والتدهور الأمني الأخير في نيجيريا لا يعكس، في رأيه، التسلسل التاريخي لظهور الجماعات المسلحة في المنطقة، موضحاً أن جماعة بوكو حرام ظهرت في نيجيريا منذ عام 2009، بينما بدأت موجة الهجمات المسلحة الكبرى في مالي خلال عامي 2012 و2013، قبل أن تمتد إلى بقية دول الساحل.
وأشار إلى وجود ترابط بين التنظيمات المسلحة في المنطقة، خصوصاً بعد مبايعة فصيل من بوكو حرام لتنظيم الدولة الإسلامية، وظهور فروع للتنظيم في منطقة الساحل، لكنه أوضح أن ذلك لا يعني أن تصاعد الهجمات في مالي والنيجر وبوركينا فاسو يمثل انعكاساً مباشراً للتطورات الأمنية الأخيرة في نيجيريا، التي تواجه بدورها تصاعداً في الهجمات وعمليات الخطف في عدد من الولايات.
وانتقل ولد السالك إلى تداعيات انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من «إيكواس»، قائلاً إن الخطوة بدأت كتكتيك تفاوضي في مواجهة العقوبات والضغوط التي فرضتها المجموعة، لكنها تحولت تدريجياً إلى خيار استراتيجي مع تأسيس تحالف دول الساحل وترسيخ هياكله.
وأضاف أن التحالف لا يزال حديث العهد، إذ تولت مالي رئاسته في مرحلته الأولى، قبل أن تنتقل الرئاسة إلى بوركينا فاسو، على أن تنتقل لاحقاً إلى النيجر، لكنه أصبح إطاراً قائماً بذاته، مع وجود توجهات محتملة نحو توسيع دائرة التحالف واستقطاب دول أخرى في المنطقة.
وأكد أن المنطقة باتت أمام إطارين إقليميين متوازيين؛ تحالف دول الساحل من جهة، و«إيكواس» التي تأسست عام 1975 من جهة أخرى، مشيراً إلى أن الانسحاب أضر بالطرفين، إذ فقدت دول الساحل جزءاً من أطر التعاون الإقليمي التي كانت توفرها عضويتها في المجموعة، بينما يمثل خروج ثلاث دول محورية تحدياً لتماسك «إيكواس» ومستقبلها.
وأوضح أن تداعيات الانسحاب لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل حركة الأشخاص والبضائع والتعاون الاقتصادي، لافتاً إلى وجود مساعٍ بين الطرفين للحفاظ على ترتيبات تسمح لمواطني دول تحالف الساحل وبضائعها بالوصول إلى بقية دول «إيكواس» بصورة طبيعية، مقابل ضمان استمرار حركة مواطني دول المجموعة وبضائعها نحو مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وشدد ولد السالك على أن الانقسام الحالي يحمل مخاطر مستقبلية على تماسك المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، إذ قد يشجع تكرار سيناريو الانسحاب في حال وقوع انقلابات جديدة في دول أعضاء، خصوصاً إذا لجأت «إيكواس» إلى إجراءات مماثلة للضغط على السلطات العسكرية.
وقال إن القطيعة بين الطرفين انعكست أيضاً على آليات التعاون الأمني وتبادل المعلومات ومراقبة الحدود، موضحاً أن أطر التعاون الرسمية التي كانت قائمة قبل الانسحاب لم تعد تعمل بالشكل السابق، في وقت لم يتشكل فيه بعد إطار بديل للتنسيق الأمني بين تحالف دول الساحل و«إيكواس».
وأضاف أن الفترة التي أعقبت الانسحاب انشغلت فيها «إيكواس» أولاً بمحاولة ثني دول الساحل عن مغادرة المجموعة، قبل أن تنتقل إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون معها، مؤكداً أن التعاون الأمني والاقتصادي بين الطرفين لم يستعد حتى الآن مستواه السابق.
ويرى ولد السالك أن السجال الدبلوماسي الأخير بين نيجيريا وبوركينا فاسو لا ينبغي عزله عن هذا السياق الأوسع، فهو يعكس، وفق تحليله، انتقال الخلاف من مرحلة العقوبات والمواجهة السياسية إلى مرحلة إعادة ترتيب التحالفات والنفوذ وآليات التعاون الأمني في غرب إفريقيا، في ظل استمرار التباين بين رؤية دول الساحل و«إيكواس» لطبيعة التهديدات الأمنية ومستقبل التعاون الإقليمي









