الدولة التي نريدها… لا السلطة التي نختلف عليها

 

أخباراليوم.   «”حين تصبح معاركنا حول من يحكم أكبر من معركتنا حول كيف يُحكم، فإننا نكون قد خسرنا الطريق إلى الدولة، حتى وإن ربحنا كل المعارك السياسية.”»

ليست أزمة موريتانيا اليوم أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة وعي بطبيعة الدولة التي نستحقها. فالحكومات تتغير، والوجوه تتبدل، والأحزاب تصعد وتهبط، لكن الوطن لا ينبغي أن يكون رهينة لهذا المد والجزر. إن الدولة التي نحلم بها لا تُبنى بالتصفيق للحاكم، ولا بإسقاطه في كل مناسبة، وإنما تُبنى حين يصبح القانون فوق الجميع، والكفاءة قبل الولاء، والمصلحة العامة أعلى من كل الحسابات الضيقة.

لقد استنزفتنا سنوات طويلة من الانشغال بالسؤال: من يحكم؟ بينما ظل السؤال الأهم مؤجلًا: كيف يُحكم؟. فالسلطة في أي بلد ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لإقامة العدل، وصيانة الحقوق، وإدارة الثروات، وبناء الإنسان. أما إذا تحولت إلى غاية، انقسم المجتمع بين مؤيد يعجز عن رؤية الأخطاء، ومعارض يعجز عن رؤية الإنجازات، فضاع الوطن بين الطرفين.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن البلد شهد خلال السنوات الأخيرة عددًا من المشاريع والبرامج التي لا يجوز إنكارها، سواء في مجال البنية التحتية، أو توسيع بعض الخدمات، أو الحفاظ على قدر من الاستقرار، أو إطلاق مشاريع تنموية في عدد من الولايات. فالعدل يقتضي أن تُذكر الحسنات كما تُذكر السيئات، لأن الإنجاز ملك للوطن قبل أن يكون رصيدًا لأي حكومة.

لكن الإنصاف نفسه يفرض علينا الاعتراف بأن هذه الجهود لم ترتق بعد إلى مستوى طموحات شعب يملك من الثروات ما يؤهله لأن يكون في موقع أفضل بكثير. فما يزال التعليم يعاني أزمة جودة، حتى أصبح كثير من خريجيه بعيدين عن احتياجات سوق العمل. وما يزال القطاع الصحي يرهق المواطن أكثر مما يطمئنه، وما تزال البطالة تدفع آلاف الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج الحدود، وكأن الوطن لم يعد قادرًا على احتضان أبنائه.

غير أن القضية الأخطر ليست في ضعف السياسات وحده، وإنما في استمرار ثقافة المحسوبية واستغلال النفوذ. فالفساد ليس فقط أن تمتد اليد إلى المال العام، بل أن تمتد إلى الوظيفة العامة، فتُمنح لمن لا يستحق، ويُقصى عنها من هو أهل لها.

إن تعيين غير الأكفاء في المناصب مسؤولية أخلاقية ووطنية قبل أن يكون قرارًا إداريًا. فهو يهدر المال العام، لأن الدولة تدفع أجورًا لمن لا يحققون المردودية المطلوبة، ويهدر الوقت، لأن المؤسسات تتعطل بقيادات غير مؤهلة، ويهدر ثقة المواطن، لأنه يرى أن معيار التقدم لم يعد العلم ولا الكفاءة، بل النفوذ والوساطة.

وما يزيد هذا المشهد ألمًا أن بعض من يرفعون شعار محاربة الفساد قد يقعون، بقصد أو بغير قصد، في ممارسات تفرغ هذا الشعار من مضمونه؛ إذ لا يكفي أن نحارب الاختلاس، إذا كنا نسمح بإهدار الكفاءات، ولا يكفي أن نتحدث عن الشفافية، إذا كانت معايير التعيين لا تزال خاضعة للعلاقات أكثر من خضوعها للاستحقاق.

إن الدولة التي نريدها لا تخشى أصحاب الكفاءة، بل تبحث عنهم. ولا تعتبر الوظيفة العامة غنيمة، بل أمانة. ولا تجعل الولاء للأشخاص طريقًا إلى المسؤولية، وإنما تجعل الكفاءة والنزاهة والإخلاص للوطن هي الطريق الوحيد.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل مزدهر دون إصلاح جذري للتعليم، لأنه المصنع الحقيقي للإنسان. فالتعليم الذي لا يواكب حاجات الاقتصاد لا يصنع تنمية، بل يصنع بطالة مقنعة وإحباطًا متراكمًا. كما أن الاقتصاد الذي يعتمد على الاستهلاك والريع لا يستطيع أن يحقق نهضة مستدامة، مهما ارتفعت مداخيله. إن ما تحتاجه موريتانيا هو اقتصاد إنتاجي يستثمر ثرواتها المعدنية، ويطور زراعتها، وينهض بثروتها الحيوانية والبحرية، ويخلق قيمة مضافة داخل البلاد بدل تصدير المواد الخام واستيراد معظم ما نستهلكه.

ولعل أعظم ما تحتاج إليه بلادنا اليوم هو مواطن يرفض أن يكون تابعًا أعمى لأي طرف، ويؤمن بأن الرقابة الشعبية ليست عداءً للدولة، بل حماية لها. فالحكومة التي تُحاسَب تقوى، والمؤسسات التي تعمل تحت أعين المواطنين تزداد احترامًا، والدولة التي تحتكم إلى القانون تكسب ثقة شعبها.

إننا لسنا في حاجة إلى صناعة أبطال سياسيين، بقدر حاجتنا إلى صناعة مؤسسات قوية. فالأشخاص يرحلون، أما المؤسسات فهي التي تبقى، وهي التي تحفظ للدولة هيبتها واستمرارها.

لقد آن الأوان لأن نغادر ثقافة الانتصار للأشخاص إلى ثقافة الانتصار للمبادئ، وأن نختلف حول البرامج لا حول الأوطان، وأن يكون معيارنا في الحكم على أي سلطة هو مقدار ما أضافته إلى حياة المواطن من تعليم أفضل، وصحة أكرم، وقضاء أعدل، واقتصاد أقوى، وإدارة أنزه.

إن الدولة التي نريدها ليست دولة السلطة المنتصرة، ولا دولة المعارضة الغاضبة، وإنما دولة المواطن المطمئن؛ دولة يجد فيها ابن الفقير فرصته كما يجدها ابن الغني، ويشعر فيها الجميع أن القانون يحكمهم بالعدل نفسه، وأن الثروة الوطنية ملك للجميع، وأن المسؤولية تكليف لا تشريف.

ولعل أعظم انتصار يمكن أن تحققه موريتانيا ليس فوز هذا الحزب أو ذاك، ولا بقاء هذا المسؤول أو رحيله، وإنما أن تنتصر فكرة الدولة على منطق الأشخاص، وأن يصبح الولاء للدستور أقوى من الولاء للأفراد، وأن يكون الانتماء للوطن فوق كل انتماء.

لن تسأل الأجيال القادمة من كان في الحكم، بقدر ما ستسأل: أي دولة تركتم لنا؟ فإن كانت دولة قانون ومؤسسات، غفر التاريخ كثيرًا من أخطائكم، وإن كانت دولة أشخاص، فلن يشفع لكم كثرة الشعارات ولا ضجيج الخصومات.

حمادي آباتي

  • Related Posts

    تنظيم مسابقات مدارس الامتياز غدا الاثنين

    أخبار اليوم.   من المقرر أن تنطلق صباح غد الاثنين مسابقة دخول ثانويات الامتياز علي عموم التراب الوطني وذلك بمشاركة 9048 طالبا  6432 منهم من  ناجحي مسابقة دخول السنة الأولى الإعدادية.…

    اقرأ المزيد

    أوبك+ يقر زيادة محدودة في إنتاج النفط لشهر سبتمبر

    أخبار اليوم.   اتفق تحالف أوبك+، اليوم الأحد، على زيادة حصص إنتاج النفط لشهر سبتمبر أيلول بمقدار 188 ألف برميل يومياً، في إطار مواصلة الرفع التدريجي للتخفيضات التي أقرها التحالف خلال…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية