نجاح الامس وتحدي اليوم.. ..من ادارة مياه نهر السنغال الى حماية جودتها / المهندس: الهيبة سيد الخير

أخباراليوم.   قبل سنوات قليلة، كنت ارى ان منظمة استثمار نهر السنغال تستحق الترشح لجائزة نوبل للسلام، بالنظر الى نجاحها في ادارة مورد مائي مشترك بين موريتانيا والسنغال ومالي وغينيا، في وقت تحولت فيه انهار عابرة للحدود في مناطق عديدة من العالم الى مصادر للتوتر والخلاف.
لقد نجحت المنظمة في تحويل نهر السنغال الى فضاء للتعاون وانتاج الطاقة وتنمية الزراعة وتوفير مياه الشرب، واثبتت ان المياه المشتركة يمكن ان تكون وسيلة للتكامل لا سببا للنزاع، كما اصبحت تجربتها من أبرز نماذج الادارة المشتركة للأحواض المائية العابرة للحدود.
ورغم ان بعض الاثار البيئية والاجتماعية للمشروعات لم تعالج دائما بالمستوى المطلوب، فان ذلك لا يلغي القيمة التاريخية لهذه التجربة. لكنه يضع المنظمة اليوم امام تحد جديد لا يقل اهمية عن تنظيم التدفقات وادارة السدود، وهو حماية جودة مياه النهر، فالأمن المائي لا يعني توفر المياه فقط، بل يعني ايضا الحفاظ على جودتها وسلامتها لمختلف الاستخدامات.
حوض واحد لا تعترف مياهه بالحدود
يتشكل نهر السنغال عند مدينة بافولابيه في مالي من التقاء نهري بافينغ وباكوي، اللذين ينبعان من مرتفعات فوتا جالون في غينيا، وبعد ذلك يستقبل النهر روافد اخرى، من اهمها نهر فاليمي.
ينبع فاليمي من الجزء الشمالي لمرتفعات فوتا جالون، ثم يمر بمالي، ويشكل في بعض اجزاء مجراه حدودا طبيعية بين مالي والسنغال، قبل ان يصب في الضفة اليسرى لنهر السنغال على مسافة تقارب خمسين كيلومترا قبل مدينة باكل. وبذلك تصل مياه فاليمي وما تحمله من رواسب الى المجرى الرئيسي قبل دخوله الوادي الموريتاني السنغالي.
اما غورغول، فهو رافد يأتي من داخل الاراضي الموريتانية ويصب في نهر السنغال قرب كيهيدي، ويقع سد فم لكليته على غورغول الاسود، داخل حوض فرعي موريتاني تابع للحوض العام لنهر السنغال، ويعتمد مشروع آفطوط الشرقي على المياه السطحية المخزنة في هذا السد.
وتكمن اهمية هذه الجغرافيا في ان ما يحدث في اعالي الحوض لا يبقى محصورا هناك، فالمياه والرواسب واي ملوثات محتملة تنتقل عبر الروافد، ثم تختلط في المجرى الرئيسي قبل وصولها الى موريتانيا والسنغال.
نواكشوط في مواجهة مباشرة مع النهر
أصبح نهر السنغال ركنا اساسيا في الامن المائي الموريتاني، اذ يأخذ مشروع آفطوط الساحلي المياه مباشرة من المجرى الرئيسي عند بني نعجي، ثم يعالجها وينقلها الى نواكشوط، وخلال السنوات القليلة الماضية، برزت بحدة غير معهودة مشكلة ارتفاع العكارة خلال موسم الخريف ،ويستعمل الناس عادة كلمة الطمي لوصف اللون البني والكثافة التي تميز مياه النهر في هذه الفترة، لكن المؤشر الفني المستخدم هو العكارة، اي انخفاض شفافية الماء بسبب وجود الطين والغرين والرمال الدقيقة والمواد العضوية العالقة، وتقاس بوحدة NTU، وهي وحدة العكارة النيفيلومترية.
وقد سجلت مياه النهر مستويات تراوحت بين 2000 و3800 وحدة NTU، في حين كانت منشآت بني نعجي مصممة اساسا للتعامل مع عكارة لا تتجاوز نحو 700 وحدة NTU. وأدى هذا الفارق الكبير الى زيادة استهلاك مواد التخثير، وتسارع انسداد المرشحات، وتراكم الرواسب في احواض المعالجة، وتراجع القدرة الانتاجية للمحطة خلال بعض فترات الخريف، بما هدد انتظام تزويد نواكشوط بالمياه.
ودفعت هذه الوضعية السلطات الى اعادة تأهيل منظومة المعالجة في بني نعجي، وانشاء تجهيزات جديدة للمعالجة الاولية وإزالة جزء كبير من المواد العالقة قبل وصول المياه الى المرشحات. وقد ساعدت هذه التدخلات على تحسين قدرة المحطة على الاستمرار في الانتاج رغم ارتفاع العكارة، لكنها عالجت آثار المشكلة عند نقطة الوصول دون ان تقدم تفسيرا كافيا لأسباب تفاقمها في مياه النهر خلال السنوات الاخيرة.
وتختلف وضعية دكار نسبيا، لان محطات تزويدها لا تسحب المياه مباشرة من المجرى الرئيسي، بل من بحيرة غيير المرتبطة بالنهر عبر قناة تاوي، حيث تعالج محطتا نجنيث وكير مومار سار مياه البحيرة وتنقلانها نحو دكار ومدن اخرى.
ويمكن تفسير عدم تعرض محطات دكار لمستوى الاضطراب نفسه بان بحيرة غيير، بحكم سعتها الكبيرة وبطء حركة المياه فيها، تعمل كخزان طبيعي يخفف موجات العكارة من خلال خلط المياه وترسيب جزء من المواد العالقة قبل وصولها الى محطات المعالجة. اما منشآت آفطوط الساحلي فتستقبل المياه مباشرة من النهر، فتصل اليها موجات العكارة بسرعة وبشدة أكبر. ومع ذلك، يبقى تأكيد هذا التفسير رهينا بمقارنة متزامنة للقياسات عند المجرى الرئيسي، ومدخل قناة تاوي، وداخل بحيرة غيير، وعند بني نعجي.

من اين تأتي العكارة؟
من الطبيعي ان ترتفع عكارة مياه الانهار خلال موسم الامطار، نتيجة السيول وتعرية التربة وضفاف المجاري ونقل الطين والغرين من الاحواض الفرعية، لكن تكرار المستويات الاستثنائية خلال السنوات الاخيرة يفرض البحث في عوامل اخرى محتملة، من بينها تدهور الغطاء النباتي، والتوسع الزراعي، وفتح الطرق وتحريك التربة، اضافة الى انشطة التعدين وغسل خام الذهب وتجريف بعض المجاري المائية.
غير ان وجود التعدين لا يسمح بالجزم بانه السبب الوحيد او الرئيسي في ارتفاع العكارة عند بني نعجي، فالحسم العلمي يتطلب قياسات متزامنة للعكارة والمواد الصلبة العالقة والتدفقات في بافينغ وباكوي وفاليمي وغورغول، ثم تقدير كمية الرواسب التي يحملها كل رافد وتحليل خصائصها المعدنية والكيميائية.
مقارنة لا ينبغي تجاهلها
تقدم تجربة آفطوط الشرقي ملاحظة مهمة تستحق البحث، فهذا المشروع يستمد مياهه من سد فم لكليته، اي من حوض غورغول الفرعي قبل ان تلتقي مياهه بالمجرى الرئيسي لنهر السنغال، ولم تظهر فيه، بحسب الملاحظات المتاحة، ازمة عكارة مماثلة من حيث الحدة والتكرار لما عرفه آفطوط الساحلي.
وتزداد اهمية هذه الملاحظة لان حوض غورغول يقع في منطقة موريتانية جافة يفترض انها عرضة للانجراف وتدهور التربة بفعل التصحر، ومع ذلك، لا تصل المياه المأخوذة من سد فم لكليته الى مستوى العكارة الاستثنائي المسجل في المجرى الرئيسي.
لكن هذه المقارنة لا تكفي وحدها للقول ان مصدر المشكلة يقع خارج حدودنا، ومع ذلك، فان غياب الاضطراب نفسه في آفطوط الشرقي يطرح سؤالا مشروعا، ويجعل المقارنة بين الروافد المحلية والمياه القادمة من اعالي الحوض ضرورة لا يمكن تجاهلها.

من ادارة الكمية الى حماية الجودة
المطلوب اليوم ان تصبح جودة المياه وظيفة دائمة ومعلنة في عمل منظمة استثمار نهر السنغال، لا مجرد موضوع لدراسات متفرقة، وينبغي ان تنشئ المنظمة شبكة اقليمية للرصد تشمل بافينغ وباكوي وفاليمي وغورغول، ومنطقة باكل، والمجرى الاوسط، والدلتا، مع استخدام سد فم لكليته وبحيرة غيير نقطتي مقارنة.
كما ينبغي اصدار نشرات دورية متاحة للدول وللرأي العام، توضح تطور العكارة وجودة المياه في مختلف الروافد، وانشاء نظام انذار مبكر يمكن محطات انتاج مياه الشرب من توقع وصول موجات العكارة قبل عدة ايام، والاستعداد لها من خلال ضبط التشغيل وتوفير مواد المعالجة.
ولا ينبغي ان يقتصر الرصد على العكارة، بل يجب ان يشمل المواد الصلبة العالقة والمعادن الثقيلة وبقايا المبيدات والمؤشرات الجرثومية، مع تشديد الرقابة على التعدين والتجريف وغسل التربة قرب المجاري المائية، وحماية الضفاف والغطاء النباتي، وادماج جودة المياه والحمولة الرسوبية ضمن قواعد تشغيل السدود والمشروعات المستقبلية.
فالمطلوب ليس اتهام دولة او نشاط بعينه، وانما بناء معرفة مشتركة من المنبع الى المصب، تسمح باتخاذ القرارات على اساس القياس العلمي، وتحمي مصالح جميع دول الحوض.
استجابة موريتانية مهمة
اتخذت بلادنا خطوة مهمة بإنشاء منظومة جديدة للمعالجة الاولية في بني نعجي، قادرة على استخراج أكثر من جزء كبير من المواد العالقة قبل دخول المياه الى مراحل المعالجة اللاحقة، وقد ساعد تشغيل هذه المنشأة سنة 2025 على استمرار الانتاج رغم تقلبات العكارة.
لكن استدامة هذا الانجاز تتطلب صيانة منتظمة، وتوفير مواد المعالجة وقطع الغيار، وضمان القدرة على سحب الرواسب المتجمعة في الاحواض ونقلها والتخلص منها بطريقة مأمونة بيئيا.
ويظل تنويع مصادر مياه نواكشوط ضروريا، من خلال تعزيز انتاج حقل اديني، والتقدم في مشروع تحلية مياه البحر، وحماية خزان اترارزة الجوفي من الاستنزاف والتلوث، الى جانب خفض فاقد شبكات التوزيع وزيادة قدرات التخزين.
كلمة أخيرة
إن التزام المنظمة الصمت وعدم تقديمها لتفسير رسمي لارتفاع العكارة امر مثير للاستغراب حقا فهي الجهة الاقدر، بحكم ادارتها المتكاملة للحوض وما تتوفر عليه من معطيات هيدرولوجية، على تحديد تطور الظاهرة ومصادرها المحتملة وشرحها للدول وللرأي العام.
ويزداد هذا التساؤل وجاهة عند مقارنة آفطوط الساحلي بآفطوط الشرقي، فالمصدران ينتميان الى الحوض العام نفسه، لكن الاول يستقبل المياه المختلطة القادمة من اعالي الحوض ومن خارج الحدود الموريتانية، بينما يعتمد الثاني على حوض فرعي موريتاني قبل اتصاله بالمجرى الرئيسي.
كان نجاح الامس يتمثل في تقاسم مياه النهر ومنشآته ومنافعه، اما تحدي اليوم فهو تقاسم المعلومات والمخاطر والمسؤوليات المرتبطة بجودة تلك المياه.
ان حماية نهر السنغال لم تعد تعني ضمان استمرار جريان مياهه فقط، بل تعني ايضا معرفة ما تحمله تلك المياه، والحفاظ على جودتها، وضمان بقائها قابلة للمعالجة وآمنة للسكان.
فالماء المشترك لا تكتمل حوكمته بتقاسم كمياته ومنافعه فقط، بل تكتمل ايضا بتقاسم المعرفة حول جودته ومخاطره، لان ذلك يمثل اساس الامن المائي والتنمية والاستقرار في جميع دول الحوض

  • Related Posts

    الجيش المالي يعلن تحييد عدد من المسلحين خلال عمليات أمنية

    أخبار اليوم.   أعلن الجيش المالي،  اليوم الأحد، تنفيذ عمليات أمنية أسفرت عن تحييد عدد من المسلحين في مناطق شمال ووسط البلاد، ضمن عملية “دوغوكولوكو” الهادفة إلى تعزيز الأمن وملاحقة الجماعات…

    اقرأ المزيد

    رئيس النيجر يتهم 3 دول بينها موريتانيا بـ”التواطؤ” في هجمات بمالي

    أخباراليوم     – اتهم رئيس النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني 3 دول بينها موريتانيا بـ”التواطؤ” في الهجمات التي شهدتها مالي في 25 أبريل 2026، وتبنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وجبهة…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية