ليس كل من وضع حدودًا صار قاسيًا/أحمدو سيدي محمد الگصري

أخبار اليوم.   في مسيرة العمل، وخصوصًا حين يكون الإنسان مؤمنًا برسالته، قد يجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ مواقف لا يفهمها الجميع. فمن يرفض المجاملة على حساب الحق، أو يضع حدودًا تحمي المؤسسة، أو يطالب بالالتزام والجودة، قد يُوصَف بالمتشدد أو المتكبر أو صعب المراس. لكن الحقيقة غالبًا تكون أعمق بكثير مما يراه الناس.
لقد تعلمت من تجربتي كخبير وطني في التكوين المهني أن العمل الجاد لا يُبنى على إرضاء الأشخاص، وإنما على احترام المبادئ. كم مرة آثرت الصمت حتى لا أفتح بابًا للخلاف، وكم مرة تحملت الانتقاد حفاظًا على مصلحة المؤسسة، وكم مرة دافعت عن جودة البرامج والمناهج رغم علمي أن ذلك سيجلب لي خصومات وسوء فهم.
ليس من السهل أن تقول “لا” عندما يطلب منك الناس التنازل عن معايير الجودة، أو التغاضي عن خلل، أو قبول أمر يخالف ضميرك المهني. لكن الأصعب هو أن توافق على ما تعلم أنه خطأ، ثم تتحمل نتائج ذلك أمام الله وأمام ضميرك.
كثيرون لم يروا ساعات العمل الطويلة، ولا الجهد الذي بُذل في إعداد البرامج، ولا التفكير العميق في بناء منظومات تكوين قادرة على خدمة الشباب والوطن. رأوا فقط موقفًا حازمًا، أو قرارًا لم يوافق أهواءهم، فاختصروا سنوات من الإخلاص في حكم عابر.
في الحياة المهنية، ليس مطلوبًا منك أن تكون محبوبًا عند الجميع، بل أن تكون أمينًا على مسؤوليتك. فالمجاملة قد تكسبك التصفيق مؤقتًا، أما النزاهة فتكسبك احترام نفسك، وإن تأخر تقدير الآخرين.
لقد احتويت كثيرًا من المواقف، وتنازلت عن حقوق شخصية حفاظًا على استمرار العمل، وسكتُّ عن إساءات كان الرد عليها ممكنًا، لأنني كنت أؤمن أن الوقت الذي يُهدر في الخصومات أولى أن يُستثمر في البناء والإصلاح. وعندما وضعت حدودًا، لم يكن ذلك تكبرًا، بل حمايةً للمبادئ التي لا تستقيم المؤسسات بدونها.
والناس بطبيعتهم لا يرون دائمًا الصورة كاملة؛ فكل إنسان يفسر المواقف من زاويته، وقد يحكم عليك بما يوافق مصلحته أو انطباعه، لا بما عشته أنت من تضحيات. لذلك لا تجعل رضا الناس غايتك، ولا تجعل أحكامهم ميزانًا لقيمتك.
الخلاصة: إذا كنت تعمل بإخلاص، وتحفظ الأمانة، وتؤدي واجبك وفق ما يمليه عليك ضميرك، فلا تحزن إن أساء البعض فهمك. فالتاريخ لا يخلد أصحاب المجاملات، وإنما يخلد أصحاب المبادئ. واحرص دائمًا أن تكون صورتك عند الله أنقى من صورتك عند الناس، فسلامة الضمير، والإخلاص في العمل، والثبات على الحق، هي المكاسب الحقيقية التي تبقى عندما تزول كل الأحكام والانطباعات.

أحمدو سيدي محمد الكصري

  • Related Posts

    رئيس البرلمان: لن نقبل الزج بنا في صراع مع المجلس الدستوري

    أخباراليوم.  قال رئيس البرلمان الموريتاني محمد ولد بمب ولد مكت إنهم لن يقبلوا الزج بهم في صراع مع المجلس الدستوري، مؤكدا احترامهم للقرارات التي تصدر عنه. جاء ذلك في تعليق…

    اقرأ المزيد

    ائتلاف معارض يدعو لتمكين الرئيس السابق من السفر للعلاج

    أخباراليوم.  – دعا ائتلاف التناوب الديمقراطي (CAD 2029) إلى تمكين الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز من السفر لتلقي الرعاية الطبية في الخارج، محملا نظام الرئيس محمد ولد الغزواني المسؤولية…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية