حين تسمو الدولة عن الخصام/إحمدمحمدالدوه

أخباراليوم.     ثمت فرق جوهري بين الدولة التي تُدير خصوماتها بمنطق الغلبة؛ والدولة التي تُدير شؤونها بمنطق المؤسسات؛ الأولى تجعل العقوبة غاية في ذاتها، أما الثانية فتجعل العدالة مسارًا، وتتخذ الرحمة _ حين تحين لحظتُها الدستورية_ عنوانًا لقوة الدولة لا لضعفها.

ولهذا فإن مرسوم العفو الرئاسي الأخير ينبغي أن يُقرأ باعتباره رسالة سياسية ودستورية عميقة تؤكد أن بلادنا لا تخلط بين السلطات، ولا تصادر اختصاصات مؤسساتها.

قال القضاء كلمته كاملة، ومارس صلاحياته باستقلال، ولم تتدخل السلطة التنفيذية في مجرى الدعوى أو في منطوق الأحكام، وهو ما يعكس احترامًا حقيقيًا لمبدأ الفصل بين السلطات، باعتباره ممارسة دستورية راسخة.

وعندما انتهى القضاء من أداء وظيفته، جاء دور الاختصاص الرئاسي الأصيل في ممارسة حق العفو، وهو اختصاص يترجم البعد الإنساني للدولة في إطار القانون.

بهذا العفو يرسخ فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مرة أخرى، أسلوبا للحكم يقوم على أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على الجمع بين هيبة القانون وسعة الرحمة، وبين إنفاذ العدالة وإبقاء أبواب التسامح مفتوحة، فالدولة لا تنتقم؛ وإنما تحتكم إلى القانون، ثم تسمو فوق نوازع التشفي عندما يمنحها الدستور حق ذلك.

وإذا كان القرار قد قوبل بارتياح واسع لدى كثيرين، فإن بعض ردود الفعل السياسية أثارت الاستغراب، إذ بدا أن بعض الأصوات تعاملت مع استمرار حبس السجينتين باعتباره أكثر انسجامًا مع أجندتها السياسية من أي معالجة تُنهي الملف في إطاره القانوني.

ومن حق الرأي العام أن يناقش هذا الموقف وأن يتساءل: هل المطلوب هو انتصار القانون، أم بقاء القضايا مفتوحة لأنها توفر مادة دائمة ودسمة للتعبئة السياسية؟

إن الدفاع عن الحقوق لا يكون بتمني استمرار معاناة الناس، ولا بتحويل ملفاتهم إلى وقود للصراع السياسي، فالحقوق تنتزع بالتمسك بسيادة القانون، واحترام استقلال القضاء، ثم تَقبل القرارات التي يصدرها أصحاب الاختصاص، سواء كانت أحكامًا قضائية؛ أو مراسيم دستورية.

بهذا يُثبت العفو أن الدولة الموريتانية في ظل قيادة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ماضية في ترسيخ نموذج يقوم على التوازن بين العدالة والرأفة، وبين قوة القانون وإنسانية القائد، بعيدًا عن الانفعال؛ وأبعد ما يكون عن منطق الانتقام.

  • Related Posts

    بعثة إيطالية تجري عمليات بالمركز الوطني لأمراض القلب

    أخباراليوم. – بدأت بعثة طبية متخصصة من مستشفى San Camillo الإيطالي إجراء عمليات متقدمة لتبديل الصمام الأبهري عبر القسطرة (TAVI)، وإنجاز عمليات قسطرة علاجية معقدة، إلى جانب تكوين وتأهيل الأطقم…

    اقرأ المزيد

    المجلس الدستوري: لا يمكن تأكيد فقد البرلمانيتين لصفتهما لقابلية حكمهما للطعن

    أخباراليوم.  – قرر المجلس الدستوري اليوم عدم إمكانية تأكيد فقدان صفة العضوية في البرلمان الموريتاني للنائبتين مريم الشيخ جينغ، وقامو عاشور سالم لقابلية قرار الغرفة الجزائية بمحكمة الاستئناف الصادر بحقهما…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية