أخبار اليوم. على قارعة طريق لا تميز بين رصيفٍ وسيارة، كان الشيخ البدوي الجليل يجلس تحت ظل لافتة إشهارية ممزقة؛ نصفها يتدلى كجناح مكسور، ونصفها الآخر يتمسك بالغراء. الطريق فوضى متروكة لأهوائها: تراب أسود اختلط بقناني بلاستيك فارغة، وقشور بصل، وأعقاب سجائر، وبقايا نعناع وشاي ألقتهما الريح أو يدان عابثتان. أعمدة الإنارة مائلة كسكارى، وضوء المرور يتكسر في عدسته كعين حزينة، والضجيج يصرخ من كل جهة: بوق سيارة أجرة متهالكة، صرخات تيفاي ملاحف ، أزيز ” بافات أستندر ” يكاد لا يتنفس. رائحة العفن والزيت المحروق تتشابك مع ” تِليگة من لوسخ “، وكأن المدينة تئن تحت وطأة إهمالها.
في هذا المشهد المغمور، جلس الشيخ يحدق في كومة نقود: أربعة وثلاثون ألفاً وسبعمائة، يحسبها بطريقة عتيقة تحت أشعة شمس خريفية حارقة كالقبضة. ظهرت شابة متحضرة بأناقتها البارزة، فاقتربت وقالت: “أيها الوالد، هل تساعدك؟” فأجابها بصوته الخشن الشجي: “جزاكِ الله خيراً يا ابنتي، بصري ضعيف والورق لا أعرفه.” عدّت المبلغ بدقة متناهية، وضعته في كيس بلاستيكي وأدخلته في جيب دراعته. ركبا سيارة خرداء، لونها يموت بين الأصفر والأخضر، وصدأ يلتهم جوانبها، وصوت محركها كسعال شيخ مريض. توقفوا أمام عمود إشارة معوج وضوء أحمر متكسر، فصرخت فجأة: “سُرق نقودي!”، هرج وضجيج، ثم توجّهوا إلى المقر المختص.
هناك دارت لعبة التفتيش؛ موظف شاب متعجرف رفع يده على الشيخ وصفعه بعد أن عُثر على المبلغ في جيبه، فلم يرد الشيخ إلا بـ”حسبي الله ونعم الوكيل”. تكررت العبارة في قاعة التحقيق، فأثارت شكوك مسؤول محترم، فذهب مع الشابة إلى بيت أهلها. دخل وسأل الأم مباشرة: “أين فلانة؟ هل سافرت؟” فردت الأم بدهشة: “كيف تسافر وليس معها نقود؟ لقد استلفتُ لها مائتي أوقية من الحانوت لتأخذ تكسي اليوم!” عندها انكشف الخيط، فعادوا واعترفت الشابة، وجاء المعنيون يعتذرون للشيخ، وهو لم يزد على جملته الأولى: “حسبي الله ونعم الوكيل”.
في هذا المشهد، لا تتوقف الحكاية عند مبلغ نقدي ضاع أو عاد، بل تنكشف أبعادها في تحولات مجتمعية غيرت قيمه، حيث تلاشت هيبة الكبير في زمن طغت فيه المادة، وصار الاحترام ذكرى كتلك اللافتة التي لا تظل إلا من تحتها. فكما تدلت اللافتة بضعف غرائها، تدلت القيم أمام واقع لم يتغير، وكما كانت السيارة الخرداء رمزاً لآليات بالية، صارت بعض المؤسسات عاجزة عن تمييز الحق من الباطل. وفي هذا المناخ، تطاولت ألسنة مدونين على وسائل التواصل على الفضلاء والحكماء، بينما يهتف سياسيون بتفاهات تشغل الرأي العام، ومفسدون يدفعون الأموال لهذه الأصوات لتكسو وجه الحقيقة بغطاء من البذاءة. صار المشهد الإنساني كطريق معوج، لا يفرق بين صادق ومتهم، وتاهت البوصلة بين ما يرفع من شعارات وما يمارس من أفعال. وحين صمت الشيخ على صفعة الظلم، كان احتجاجاً على خريطة أخلاقية أعيد رسمها بتواطؤ من هنا وهناك، تاركة الإنسان في حيرة بين من يدّعي الإصلاح ومن يمارس الإفساد، وبين القول والفعل، وبين ثقة تاهت في زحام الأصوات.









