أخبار اليوم. من أغرب ما قد يمر بك في نقاشات التعليم أن يصبح ضبط الغش تهمة، وأن تتحول معاقبة المخالف إلى مناسبة للسخرية، وكأن الفضيلة الوحيدة التي بقيت لنا هي أن نحسن تزيين الأرقام، لا أن نحسن صناعة الحقائق.
نحن جميعًا نعرف أن التعليم عليل، ولا يحتاج أحد إلى من يقنعه بذلك. فقد بلغ من الوهن مبلغًا لا تداويه سنة، ولا يعالجه وزير، ولا تكفيه ميزانية، مهما عظمت. وهذه حقيقة لا ينازع فيها إلا مكابر.
لكن ما لا أفهمه هو: هل لأن البيت متداعٍ، ينبغي أن نترك اللصوص يخرجون بأبوابه ونوافذه أيضًا؟
إن من يأسف لأن عشرات الغشاشين حُرموا من ثمرة غشهم، يبدو وكأنه يقترح علينا علاجًا جديدًا لأزمة التعليم: إذا عجزنا عن رفع مستوى المعرفة، فلنرفع نسبة النجاح!
وهكذا يصبح الغش وسيلةً لتحسين المؤشرات، وتصبح الشهادة أكثر إشراقًا كلما خفت ظل الاستحقاق.
إنها معادلة مريحة حقًا؛ فبدل أن نجتهد في إصلاح المدرسة، نُصلح الجداول الإحصائية، وبدل أن نحمي الامتحان، نحمي نسبة النجاح من الانخفاض!
غير أن الأوطان لا تُبنى بالإحصاءات الملوَّنة، وإنما تُبنى بالعدالة.
فالطالب الذي سهر الليالي، لا يطلب من الدولة أن تمنحه امتيازًا، وإنما يطلب منها شيئًا واحدًا: ألا تساويه بمن اشترى الإجابة، أو تلقاها عبر شاشة خفية، أو هاتف مهرب، أو تقنية أكثر تطورًا من ضميره.
إن معركة مكافحة الغش ليست معركة ضد أربعين مترشحًا، ولا ضد أربعين ألفًا؛ إنها معركة من أجل ألا يصبح الغش هو القاعدة، والنزاهة هي الاستثناء.
ولو أن أجهزة الدولة كشفت شبكة واحدة فقط، وأغلقت بابًا واحدًا من أبواب العبث، فإنها لم تحقق معجزة، لكنها قامت بما كان يجب عليها أن تقوم به. ولا يجوز أن يُلام الحارس لأنه أمسك بالمتسلل، بل يُلام إذا فتح له الباب.
أما الذين يطالبون – صراحة أو ضمناً – بأن نغض الطرف حتى تبدو النتائج أجمل، فهم يشبهون من يكسر ميزان الحرارة لأنه لا تعجبه درجة الحمى.
إن المرض لا يزول بإخفاء أعراضه، والتعليم لا ينهض بتجميل نسب النجاح، وإنما ينهض حين يعود النجاح نفسه جديرًا باسمه.
نحن بحاجة إلى نقد الوزارة، بل إلى نقد كل السياسات التعليمية، وإلى مساءلة كل مسؤول عن موضع تقصيره، فهذا حق المجتمع. لكننا، في الوقت نفسه، بحاجة إلى قدر من الإنصاف؛ فالذي يعيد للامتحان هيبته، ولو بخطوة صغيرة، لا يستحق أن يُسخر منه لأنه لم يقطع الطريق كله.
فالرحلة الطويلة تبدأ بخطوة، أما الطريق الذي يبدأ بالتغاضي عن الغش، فلن ينتهي إلا إلى شهادة لا يثق بها أحد، ومدرسة لا يحترمها أحد، ووطن يدفع ثمن ذلك كله.
ولعل أخطر ما يصيب الأمم ليس أن يقل فيها الناجحون، وإنما أن يكثر فيها الناجحون… من غير نجاح.أرى أن هذه الخاتمة: “ولعل أخطر ما يصيب الأمم ليس أن يقل فيها الناجحون، وإنما أن يكثر فيها الناجحون… من غير نجاح.









