رؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني: السلام يُبنى بالعلم قبل السلاح / لبروفيسور محمدو لمرابط اجيد- أستاذ جامعي

أخبار اليوم.  في قرارٍ يجمع بين بُعد النظر وسموّ الحكمة، أصدر فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عفوه الرئاسي عن سجناءَ راجعوا أفكارهم وعادوا إلى جادة الصواب. ولم يكن هذا القرار وليد لحظته، بل جاء ثمرةً ناضجة لرعايةٍ رئاسيةٍ متّصلة، حرص فيها فخامته على احتضان الملتقيات والمؤتمرات العلمية التي يرأسها العلّامة الشيخ عبد الله بن بيّه، وفي طليعتها المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم الذي عقد نسخته السادسة في موريتانيا في فبراير الماضي تحت الرعاية السامية لفخامته. فهنا يلتقي القرار السيادي بالرؤية الفكرية، وجهين لعملةٍ واحدة، ينهلان من معينٍ واحد.
ذلك أنّ مواجهة التطرف معركةُ وعيٍ قبل أن تكون معركة سلاح، وأنّ فقه السلم والمقاصد — الذي يحمل لواءه علماء أجلّاء كالشيخ عبد الله بن بيّه — هو الترياق الحقيقي لخطاب الغلوّ. وهو فقهٌ لم يولد في لحظته، بل هو ثمرة مسارٍ طويلٍ قطعه الشيخ تأصيلاً ومأسسةً، حتى غدا مدرسةً قائمة بذاتها.
بدأ الشيخ رحلته بالتشخيص؛ ففي كتابه «الإرهاب: التشخيص والحلول» نزل إلى جذور الظاهرة، فعرّف الإرهاب تعريفاً دقيقاً، وتتبّع شجرته كيف نبتت، ثم رسم طريق اجتثاثها بالحكمة في القول والتسامح في الفعل. ولم يكتفِ بإدانة العنف، بل واجه شبهاته بالحجّة، وردّ على تأويلاته المغلوطة من داخل النصّ نفسه، فوصف العلماء بأنهم «أطباء الحضارة» المنوط بهم بيان ما التبس من الحقّ بالباطل.

ثم انتقل من الكتاب إلى الميدان، ومن التنظير إلى البناء؛ فكان من روّاد مأسسة خطاب السلم عبر المجامع والمنتديات العلمية، التي تُوّجت في موريتانيا بملتقيات المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم، بإشرافٍ علميٍّ منه ورعايةٍ ساميةٍ من رئيس الجمهورية. فصار ما كان فكرةً في كتابٍ مشروعاً قاريّاً يجمع العلماء والساسة على كلمةٍ سواء: أنّ السلم صناعةٌ تبدأ من تصحيح المفاهيم.
وهكذا، فإنّ ما أسّست له منابر العلماء نظريّاً في قاعات ذلك المؤتمر، تترجمه المراجعات الفكرية عمليّاً داخل أسوار السجن: تفكيكاً للشبهة بالحجّة، وإعادةً للنادمين إلى جادة الصواب. فالمراجعات التي يعود بها هؤلاء ليست إلا التطبيق العملي لما أصّله الشيخ منذ سنوات: أنّ الفكر لا يُقاوَم إلا بالفكر، وأنّ أنجع سلاحٍ ضدّ الغلوّ هو الحجّة لا الحديد.
إنها رؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني المتكاملة: أن تُصنع الطمأنينة في حلقات العلم، وتُحرس في آنٍ بهيبة الدولة. رؤيةٌ التقى فيها حكمة العالِم بحكمة الحاكم، فأثمرت نموذجاً تتطلّع إليه القارة.

فتحيةً لفحامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ولموريتانيا، أرض المحاظر والتعليم الأصيل، التي تقدّم للقارة نموذجاً في أنّ السلام يُبنى بالحكمة قبل أن يُحرس بالحديد، وتحيةً لعلّامتها الذي علّمنا أنّ صناعة السلم علمٌ يُؤصَّل ومؤسساتٌ تُبنى، لا شعاراتٌ تُرفع.

  • Related Posts

    مصدر: المعارضة تبحث ردا موحدا على وثيقة الحوار وتستبعد التوقيع عليها غدا

    أخبار اليوم.   قالت مصادر في المعارضة إن ائتلاف المعارضة الديمقراطية ومؤسسة المعارضة الديمقراطية سيعقدان اجتماعا الليلة، لبحث صيغة رد موحد على وثيقة “الدليل العملي” التي قدمها منسق الحوار موسى فال…

    اقرأ المزيد

    الجيش المالي يعلن ضربات جوية قرب أغلهوك

    أخبار اليوم.   أعلن الجيش المالي، اليوم الأحد، أن قواته، بالتعاون مع شركائها، نفذت ضربات جوية دقيقة استهدفت عناصر مسلحة وآليات قتالية قرب بلدة أغلهوك شمال البلاد، في إطار العمليات العسكرية…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية