عن مكافحة الغلو والتشدد/محمد فال ولد بلال

أخبار اليوم.  في النقاش الدائر حول مكافحة الغلو والتطرف في بلادنا، كثيرًا ما يتم التركيز على ما بعد وقوع الانحراف: برامج إعادة التأهيل، والمراجعات الفكرية، وإعادة الإدماج الاجتماعي. غير أن هذا التركيز، رغم أهميته الجزئية، قد يُخفي حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها؛ وهي أن المعركة الحقيقية تُحسم قبل أن يبدأ الانحراف، لا بعده.
إن التجربة العملية في العديد من السياقات تُظهر أن الوقاية هي الخط الدفاعي الأول والأكثر فاعلية واستدامة. أما إعادة التأهيل، فهي بطبيعتها معالجة متأخرة، تأتي بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل، وبعد أن يكون المجتمع قد دفع كلفة بشرية وأمنية باهظة.
* الوقاية أولى من العلاج
لا ينشأ التطرف في فراغ اجتماعي أو فكري، بل يتغذى على مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ضعف التكوين المعرفي، وهشاشة الوعي الديني، وغياب النقاش الفكري الرصين، إضافة إلى استغلال فترات الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي لدى فئة الشباب. كما أن منابع الإرهاب لا تقتصر على الغلو والتشدد الديني وحده، بل تمتد أيضًا إلى انتشار البطالة وتدهور القيم الأخلاقية والاجتماعية وعدم ملاءمة بعض السياسات العامة، بما يهيئ بيئة خصبة للانحراف نحو العنف وسائر السلوكيات المحظورة.
ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في التعليم والحكم الرشيد، وتعزيز التكوين الديني المتوازن، وتوسيع فضاءات الحوار الفكري، ركيزة أساسية في تجفيف منابع التطرف. فالوقاية هنا ليست شعارًا، بل هي سياسة استباقية ذات طابع أمني وتنموي بامتياز، لأنها تمنع تشكل الخطر بدل انتظار وقوعه، وتحصّن المجتمع قبل أن يضطر إلى مواجهة نتائج الانحراف وتكاليفه الباهظة.
في المقابل، ينبغي النظر إلى برامج إعادة التأهيل بواقعية صارمة؛ فهذه البرامج لا تعالج السبب الجذري للمشكلة، بل تتعامل مع نتائج الانحراف بعد وقوعه. ولذلك، فإن التعويل الزائد عليها قد يخلق تصورًا غير دقيق مفاده أن المجتمع قادر دائمًا على إصلاح ما تم تدميره، وكأن المسار قابل للعكس بسهولة. بينما الواقع أكثر تعقيدًا، خاصة حين يتعلق الأمر بجرائم عنف خلفت ضحايا ومعاناة إنسانية عميقة.
ومن بين التحفظات التي تُثار كذلك بشأن هذه المقاربة، التخوف من أن يُفهم فتح باب إعادة التأهيل لدى بعض الفئات على أنه مؤشر إلى إمكانية التساهل أو الحصول على معاملة مخففة في نهاية المطاف، وهو ما قد يضعف الأثر الردعي للعقوبة في نظر البعض. فحين يترسخ الانطباع بأن الانخراط في مسارات الغلو والتطرف يمكن أن ينتهي لاحقًا إلى مراجعات تُفضي إلى العفو أو التخفيف من المسؤولية، قد ينشأ لدى البعض شعور خاطئ بأن كلفة الانحراف ليست مرتفعة بما يكفي لردعهم عنه منذ البداية.
ولهذا فإن أي برامج للمراجعة أو إعادة التأهيل ينبغي أن تُبنى على معادلة واضحة تجمع بين الحزم والإنصاف؛ بحيث تبقى المساءلة القانونية قائمة، وتحفظ حقوق الضحايا كاملة، ويُفهم التأهيل باعتباره وسيلة للحد من مخاطر العود إلى التطرف وخدمة المصلحة العامة، لا باعتباره بديلاً عن العدالة أو طريقًا مضمونًا للإفلات من تبعات الأفعال المرتكبة.
ولا يعني هذا إلغاء الحوار أو الانتقاص من قيمته بشكل مطلق، بل وضعه في إطاره الصحيح باعتباره إجراءً مكملًا ومحدودًا، لا يحل محل العدالة، ولا ينتقص من المساءلة القانونية، ولا يُختزل به حق الضحايا في الإنصاف وجبر الضرر. كما لا يعني ذلك الانتقاص من دور العلماء في هذا المجال، ولا التقليل من أهمية جهودهم، خاصة عندما يتولى هذه المهمة علماء أجلاء لهم من الاعتبار والاحترام ما يضفي على هذا المسعى قدرًا كبيرًا من المصداقية والتأثير الإيجابي

  • Related Posts

    مصدر: المعارضة تبحث ردا موحدا على وثيقة الحوار وتستبعد التوقيع عليها غدا

    أخبار اليوم.   قالت مصادر في المعارضة إن ائتلاف المعارضة الديمقراطية ومؤسسة المعارضة الديمقراطية سيعقدان اجتماعا الليلة، لبحث صيغة رد موحد على وثيقة “الدليل العملي” التي قدمها منسق الحوار موسى فال…

    اقرأ المزيد

    الجيش المالي يعلن ضربات جوية قرب أغلهوك

    أخبار اليوم.   أعلن الجيش المالي، اليوم الأحد، أن قواته، بالتعاون مع شركائها، نفذت ضربات جوية دقيقة استهدفت عناصر مسلحة وآليات قتالية قرب بلدة أغلهوك شمال البلاد، في إطار العمليات العسكرية…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية