أخبار اليوم. في خضم الجدل الدائر حول فتح المأموريات الرئاسية أو الإبقاء على تحصينها، ينقسم الرأي العام بين فريق يرى في التعديل ضرورةً تفرضها اعتبارات الاستقرار، وفريق يعتبر المساس بالمواد المحصنة كارثة دستورية وسياسية. غير أن هذا الجدل، في سياق بلد من العالم الثالث غنيّ بالثروات وفقير بالمؤسسات، لا يمكن قراءته بمعزل عن بنيته العميقة وطبيعة نظامه السياسي والاقتصادي.
إن اختزال المسألة في عدد المأموريات — اثنتين أم ثلاث — يُغفل السؤال الجوهري: هل المشكلة في النص الدستوري، أم في طبيعة الدولة نفسها؟
أولًا: التداول الشكلي في ظل الدولة العميقة
في الديمقراطيات الراسخة، يشكل تحديد المأموريات آلية لضمان التداول السلمي ومنع احتكار السلطة. أما في الأنظمة الهشة، حيث تتداخل المصالح السياسية مع الشبكات الاقتصادية والعسكرية، فقد يتحول التداول إلى مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل النخبة الحاكمة.
إذا كانت الدولة العميقة تمسك بمفاصل الإدارة والاقتصاد، وإذا كانت المؤسسة العسكرية لاعبًا محوريًا في المعادلة السياسية، فإن تغيير الرئيس لا يعني بالضرورة تغيير النظام. قد يتغير الوجه، لكن البنية تبقى. وهنا يصبح التناوب في الحكم أشبه بتدوير داخلي للنخبة لا أكثر.
ثانيًا: حجة الاستقرار في مواجهة المجهول
يرى أنصار فتح المأموريات أن بقاء الرئيس لفترة أطول قد يخدم الاستقرار، ويحدّ من احتمالات وصول “مافيا جائعة” إلى الحكم، قد تكون أكثر فسادًا واندفاعًا. هذه الحجة تقوم على منطق المقارنة بين معلومٍ مستقر ومجهولٍ محفوف بالمخاطر.
غير أن هذا المنطق يحمل في طياته مفارقة خطيرة:
فاستمرار الحاكم لفترة طويلة لا يضمن بالضرورة تقليص الفساد، بل قد يؤدي إلى ترسيخه عبر تشابك المصالح وتعقّد شبكات الولاء. الزمن الطويل في السلطة لا يُصلح المؤسسات إذا لم يكن الإصلاح جزءًا من مشروعٍ واعٍ، بل قد يُحوّل الفساد إلى بنية يصعب اقتلاعها.
الاستقرار الحقيقي لا ينبع من بقاء الأشخاص، بل من قوة القواعد.
ثالثًا: لعنة الثروات وسؤال الريع
البلدان الغنية بالموارد الطبيعية تعاني غالبًا مما يُعرف بـ”لعنة الثروات”، حيث تتحول الموارد إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة بدل أن تكون محركًا للتنمية. في الاقتصاد الريعي، تعتمد الدولة على توزيع العائدات بدل تحفيز الإنتاج، فينشأ مجتمع مرتبط بالسلطة اقتصاديًا، ما يُضعف ثقافة المساءلة.
في هذا السياق، يصبح الصراع حول المأموريات امتدادًا لصراع حول التحكم في الريع. ومن ثم فإن أي تعديل دستوري، إن لم يُرافق بإصلاح اقتصادي عميق، قد يتحول إلى مجرد إعادة تنظيم لآليات توزيع الثروة داخل نفس الشبكة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في فتح المأموريات أو تحصينها، بل في بقاء الاقتصاد رهينًا للريع، وبقاء الدولة أسيرة تحالف المال والقرار السياسي.
رابعًا: النص الدستوري وميزان القوى
صحيح أن المواد المحصنة تكون محصنة من جهة الرئيس الذي أقسم على احترامها، لكنها ليست بمنأى عن التعديل عبر البرلمان أو الاستفتاء الشعبي. غير أن النصوص في الأنظمة الهشة لا تُقاس بمرونتها القانونية فقط، بل بميزان القوى الذي يحكمها.
إذا لم يكن البرلمان مستقلًا فعليًا، وإذا كان القضاء عاجزًا عن الرقابة، والإعلام مقيدًا، والمجتمع المدني ضعيفًا، فإن أي تعديل — مهما كانت صيغته القانونية — لن يكون تعبيرًا خالصًا عن الإرادة الشعبية، بل انعكاسًا لتوازنات داخل النخبة.
الدساتير في مثل هذه السياقات قد تتحول إلى أدوات سياسية أكثر من كونها عقدًا اجتماعيًا جامعًا.
خامسًا: بين وهم التداول وخطر التمديد
المفارقة الكبرى أن قصر المأموريات في نظام هش قد لا ينتج تداولًا حقيقيًا، كما أن فتحها قد يعمّق تركيز السلطة. كلا الخيارين قد يفقد معناه إذا لم تُبنَ مؤسسات قوية قادرة على فرض قواعد اللعبة على الجميع.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تعديل عدد السنوات، بل من:
تحييد المؤسسة العسكرية عن التنافس السياسي؛
تعزيز استقلال القضاء؛
تحرير الاقتصاد من الارتهان للريع؛
بناء طبقة وسطى منتجة قادرة على فرض التوازن؛
إصلاح التعليم باعتباره حجر الأساس لأي تحول بنيوي.
دون ذلك، سيبقى النقاش حول المأموريات جدلًا فوقيًّا يدور حول الشكل، بينما يبقى الجوهر على حاله.
خاتمة: الدولة قبل الرئيس
في نهاية المطاف، ليست القضية “اثنتين أم ثلاث”، بل: هل نحن أمام دولة مؤسسات أم دولة أشخاص؟
هل يحكم النص السلطة، أم تحكم السلطة النص؟
في بلدٍ لم يكتمل فيه البناء المؤسسي، وتتحكم فيه شبكات عميقة، ويعتمد اقتصاده على الريع، يصبح تعديل المأموريات قرارًا بالغ الحساسية. فتحها قد يكرّس احتكار السلطة، وتحـصينها دون إصلاح شامل قد لا يغيّر شيئًا في الواقع.
المخرج لا يكمن في الرقم، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الثروة والسلطة، وبين النص والقوة. حين تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، سيتحول عدد المأموريات إلى تفصيل إجرائي لا إلى معركة وجودية.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الجدل قائمًا… لا حول الدستور فحسب، بل حول طبيعة الدولة نفسها.
حمادي سيدي محمد آباتي








