أخبار اليوم. حين يُستدعى ملف الإرث الإنساني في موريتانيا، فإننا لا نستدعي مجرد وقائع تاريخية معزولة، بل نستدعي بنية كاملة من الذاكرة الجريحة، والسرديات المتنافسة، والتوظيفات السياسية للألم. غير أن أخطر ما قد يصيب هذا الملف ليس الصمت، بل الانتقائية؛ إذ تتحول العدالة من مبدأ كوني إلى أداة سردية تُبرز ضحايا وتُخفي آخرين.
لقد شهدت بعض المناطق، ومن بينها منطقة العطف، سقوط ضحايا مدنيين في سياقات اعتداءات مفاجئة، راح ضحيتها أفراد خرجوا لطلب الرزق أو لرعي مواشيهم، دون انخراط ظاهر في صراع أو فعل عدائي. كما لحقت خسائر معتبرة بالثروة الحيوانية، التي تمثل في البنية الاقتصادية الريفية رأس المال الوجودي للأسرة، لا مجرد ملكية قابلة للتعويض السهل.
السؤال هنا ليس توصيف الألم، بل تأطيره قانونيًا:
كيف تُفهم هذه الوقائع في ضوء مفاهيم المسؤولية الدولية والعدالة الانتقالية؟
أولًا: في مفهوم المسؤولية — بين الفاعل المباشر والدولة الضامنة
من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، تتحمل الدولة ثلاث طبقات من الالتزام:
1. واجب الاحترام: أي الامتناع عن ارتكاب الانتهاك مباشرة.
2. واجب الحماية: أي منع الأطراف غير الرسمية من ارتكاب انتهاكات.
3. واجب الجبر: أي التحقيق والمساءلة والتعويض عند وقوع الضرر.
فإذا ثبت أن اعتداءاتٍ وقعت من أطراف غير حكومية وأدت إلى قتل مدنيين أو إتلاف ممتلكاتهم، فإن المسؤولية الجنائية تقع أولًا على الفاعلين المباشرين. غير أن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤوليتها في حال:
التقصير في توفير الحماية اللازمة،
الإخفاق في التحقيق الجاد،
أو الامتناع عن تعويض الضحايا.
في هذا الإطار، لا يُفهم التعويض بوصفه منّة سياسية، بل حقًا قانونيًا ملازمًا لفكرة المواطنة نفسها.
ثانيًا: العدالة الانتقالية… هل هي انتقائية بطبيعتها؟
العدالة الانتقالية ليست محاكمات فحسب، بل منظومة تقوم على أربعة أعمدة:
كشف الحقيقة
المساءلة
جبر الضرر
ضمانات عدم التكرار
وأخطر ما يهدد هذه المنظومة هو تحوّلها إلى سردية أحادية.
فحين يُعترف بضحايا فئة ويُغفل ضحايا أخرى، فإننا لا نؤسس لذاكرة وطنية جامعة، بل نُنتج ذاكرة تنافسية، كل طرف فيها يلوذ بألمه الخاص.
إن الدم المدني — من حيث المبدأ القانوني — لا يُقاس بالانتماء الإثني، ولا يُصنَّف وفق هوية الضحية أو الفاعل. فالمعيار في القانون هو صفة “المدني” وحرمة الحياة وحرمة الملكية.
وإذا كانت بعض الأسر قد فقدت أبناءها في اعتداءات مباغتة أثناء ممارسة نشاط معيشي مشروع، فإن ذلك يدخل في نطاق الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب:
تحقيقًا مستقلًا،
توثيقًا رسميًا،
وتعويضًا عادلًا يشمل الضرر المادي والمعنوي.
ثالثًا: تعويض الخسائر… من الاعتراف الرمزي إلى الجبر الفعلي
في المجتمعات الرعوية، لا تمثل الثروة الحيوانية مجرد أصول اقتصادية، بل تُجسد الأمن الغذائي والكرامة الاجتماعية واستمرارية السلالة الاقتصادية للأسرة. لذلك فإن إتلاف مئات الرؤوس من المواشي ليس خسارة حسابية، بل تفكيك لبنية العيش نفسها.
القانون الدولي يُقر بأن جبر الضرر قد يتخذ أشكالًا متعددة:
التعويض المالي
إعادة التأهيل
الاعتذار الرسمي
التخليد الرمزي للضحايا
لكن جوهر الجبر ليس القيمة المالية وحدها، بل الاعتراف الرسمي بالضرر. فالإنكار يُضاعف الجرح، بينما الاعتراف يفتح باب المصالحة.
رابعًا: خطر التعميم وتفكيك الخطاب الإثني
غير أن ثمة منزلقًا خطيرًا يجب التحذير منه:
تحميل جماعة إثنية كاملة مسؤولية أفعال أفراد أو مجموعات مسلحة.
المسؤولية في القانون شخصية، وليست جمعية.
والتعميم يُحوّل الضحية إلى خصم، ويعيد إنتاج دورة الاتهام المتبادل.
إن مقاربة العدالة الانتقالية لا تقتضي توسيع دائرة الإدانة، بل تضييقها على من يثبت تورطه، وتوسيع دائرة الاعتراف لتشمل كل من وقع عليه الضرر.
خامسًا: نحو ذاكرة وطنية غير مجتزأة
إذا كان ملف الإرث الإنساني يراد له أن يكون جسرًا نحو مصالحة حقيقية، فلا بد أن يتحول من خطابٍ سياسي إلى مشروع مؤسسي، عبر:
إنشاء هيئة مستقلة لحصر جميع الضحايا دون استثناء،
اعتماد معايير موضوعية للتعويض،
نشر تقارير شفافة تُغلق باب الشك،
وإدماج هذا الملف في مناهج التربية المدنية بوصفه درسًا في فشل الدولة حين تغيب العدالة.
فالعدالة التي تُجزّأ تُنتج مواطنين بدرجات،
والمواطنة المتفاوتة هي الوجه الآخر للعنف المؤجل.
خاتمة: سؤال الدولة لا سؤال القبيلة
حين نسأل:
على من يقع الجرم؟
ومن المسؤول عن تعويض الرزايا؟
فنحن — إن أردنا الدقة القانونية — لا نسأل القبيلة، ولا العِرق، ولا الذاكرة المثخنة، بل نسأل الدولة:
هل أدت واجبها في الحماية؟
هل حققت بجدية؟
هل اعترفت بجميع الضحايا دون انتقاء؟
إن العدالة ليست إعادة كتابة الماضي وفق ميزان القوة، بل إعادة تأسيس الحاضر على مبدأ المساواة أمام القانون.
وحدها العدالة الشاملة — التي ترى كل الضحايا، وتُسمي كل الانتهاكات، دون خوف أو تحيز — قادرة على أن تُحوّل الإرث الإنساني من جرحٍ مفتوح إلى ذاكرةٍ مُتصالحة.









