أخبار اليوم. ليست السياسة الدولية مجالًا تُحسم فيه القرارات الكبرى بالخطابات العلنية وحدها، ولا تُدار فيه الصراعات دائمًا عبر الجيوش والعقوبات فقط. في الكواليس، حيث تتقاطع المصالح مع الأسرار، تصبح الملفات الحساسة جزءًا من أدوات الضغط، وتتحول الفضائح من شأنٍ أخلاقي إلى ورقة سياسية صامتة.
في هذا السياق، يثير التزامن بين تصاعد الحديث عن مواجهة محتملة مع إيران، وعودة ملف جيفري إبستين إلى الواجهة الإعلامية، أسئلة تتجاوز منطق المصادفة، وتستدعي قراءة أعمق في آليات القوة داخل النظام السياسي الأمريكي.
1. من إيران إلى الكواليس: منطق الضغط لا منطق القيم
خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، بدا التناقض واضحًا بين الخطاب المتشدد تجاه إيران، والدفع الإسرائيلي المتكرر نحو مواجهة عسكرية مباشرة، وبين سلوك عملي يتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. في المقابل، كانت دول خليجية نافذة تمارس ضغطًا معاكسًا، خشية أن تؤدي الحرب إلى زعزعة مصالحها الاقتصادية والأمنية.
هذا التوازن الحرج جعل ترامب في موقع لا يُرضي أحدًا بالكامل: يطمئن إسرائيل بالكلام، ويُرضي الداخل الأمريكي بتجنب حرب مكلفة، ويُمسك العصا من الوسط. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُستَخدم القيم ولا التحالفات وحدها، بل تُستَحضَر أوراق الضغط غير المعلنة.
2. إبستين: ملف أخلاقي أم أداة سياسية؟
ملف جيفري إبستين ليس مجرد قضية جنسية أو جنائية؛ إنه ملف عابر للنخب، يطال سياسيين، ورجال أعمال، وشخصيات إعلامية، وشبكات نفوذ عابرة للحدود. خطورته لا تكمن في تفاصيله فقط، بل في قابليته للتسييس والانتقاء:
ما الذي يُكشف؟
ومتى؟
وضد من؟
عودة هذا الملف إلى التداول الإعلامي في لحظة سياسية حساسة تفتح فرضية – لا يمكن الجزم بها، لكن لا يمكن تجاهلها – مفادها أن إعادة إحيائه قد تشكّل رسالة ضغط أكثر منها سعيًا متأخرًا للعدالة. رسالة تقول: إن رفض الانخراط في خيارات استراتيجية كبرى قد تكون له كلفة داخلية، أخلاقية في ظاهرها، سياسية في جوهرها.
3. هل تُحرِج الفضائح ترامب فعلًا؟
السؤال هنا ليس إن كان ترامب متورطًا أو بريئًا، بل: هل ما زالت الفضيحة قادرة على إسقاط سياسي شعبوي؟
ترامب بنى صورته منذ البداية على كسر الأعراف، ومخاطبة القاعدة الشعبية بلغة التحدي لا الاعتذار. لذلك، فإن الإحراج الذي قد تسببه فضيحة أخلاقية ليس أخلاقيًا بقدر ما هو انتخابي وأمني:
هل يمكن تحويلها إلى تهديد للدولة؟
هل تُقدَّم بوصفها اختراقًا أمنيًا؟
هل تُستَخدم لتآكل الثقة لا لإدانة السلوك؟
في هذا الإطار، تصبح الفضيحة أداة تفاوض، لا محاكمة ضمير.
4. أوراق مضادة: هل تملك واشنطن ملفات على إسرائيل؟
من الخطأ افتراض أن الضغط يسير في اتجاه واحد. فالعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، رغم اختلال ميزان القوة الظاهري، هي علاقة ضبط متبادل. تمتلك واشنطن، وأجهزتها الاستخباراتية، سجلًا طويلًا من المعلومات عن:
عمليات تجسس
اغتيالات خارج القانون
انتهاكات جسيمة للقانون الدولي
توظيف جماعات ضغط وتلاعب سياسي
غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة التأثير:
الفضائح الإسرائيلية غالبًا ما تُحَيَّد داخل الخطاب الغربي، أو تُبرَّر أمنيًا، بينما الفضائح الشخصية داخل السياسة الأمريكية تظل أكثر قابلية للاشتعال داخليًا. وهنا تتحدد فاعلية السلاح لا في أخلاقيته، بل في أثره الجماهيري.
5. أين تقف الأخلاق في كل هذا؟
في عالم البراغماتية المتوحشة، لم تختفِ الأخلاق تمامًا، لكنها فقدت وظيفتها كمرجعية. لم تعد الفضائح تُستخدم لكشف الحقيقة، بل لإدارة التوازنات. لم يعد التعري السياسي صدمة، بل تكتيكًا. ولم يعد الاعتراف سقوطًا، بل خطوة في مسار احتواء الأزمة.
السياسي البراغماتي لا يسأل: هل هذا مخجل؟
بل: كم يكلّفني هذا؟ ومن يدفع الثمن؟
6. إسرائيل وفائض الإفلات من المساءلة
حين يُطرَح السؤال عن وقاحة الممارسة السياسية، لا يمكن تجاهل ما قامت وتقوم به إسرائيل في فلسطين: من نكبة مستمرة، إلى استعمار استيطاني، إلى حصار وتجويع وإبادة بطيئة. ومع ذلك، لم تتحول هذه الأفعال إلى “فضيحة” داخل النظام الدولي، لأنها تقع ضمن منطقة محصّنة من المساءلة.
وهنا تتجلى المفارقة الأخلاقية الكبرى:
ما يُعدّ جريمة حين يرتكبه الضعفاء، يُعاد تعريفه كضرورة أمنية حين يرتكبه الأقوياء.
خلاصة
ليست فرضية استخدام ملف إبستين كورقة ضغط مؤكدة، لكنها منسجمة مع منطق القوة السائد. في عالم تُدار فيه السياسة بالأسرار، تصبح الفضائح ذخيرة، وتتحول الأخلاق إلى خطاب انتقائي.
السؤال الحقيقي إذن ليس: من يملك الملفات؟
بل: لماذا لم يعد امتلاكها مدعاة للمحاسبة، بل شرطًا للنفوذ؟









