أخباراليوم. تعد الفضائح المرتبطة بملفات إبستين مجرّد أخبار صادمة أو تفاصيل مثيرة في سجلات الانحراف، بل غدت وثيقة إدانة حضارية تكشف بوضوح التناقض الجذري الذي تقوم عليه المنظومة الغربية الحديثة. فحين تتورّط نُخَبٌ من رؤساء دول، ووزراء، ونواب، وقادة رأي، ورؤساء جامعات، ورجال اقتصاد وأعمال، في شبكات استغلال جنسي ممنهج، فإننا لا نكون أمام حالات فردية معزولة، بل أمام أزمة بنيوية تمسّ جوهر ما يُقدَّم للعالم على أنه “حضارة القيم”.
لقد اعتاد الخطاب الغربي الدفاع عن ذاته عبر آلية التبرير المعروفة: ردّ الجرائم إلى “انحرافات شخصية”، وفصل الأخلاق عن البنية الفكرية والاقتصادية والسياسية التي أنتجتها. غير أن هذا الفصل تعسّفي ومضلِّل، لأن المنظومة التي تنزع القداسة عن الإنسان، وتختزله في بعده المادي والنفعي، لا يمكن إلا أن تُنتج هذا النوع من الانحطاط المقنّن.
الحضارة الغربية: من مركزية الإنسان إلى تسليعه
نبّه المفكر الإسلامي الموسوعي الدكتور عبد الوهاب المسيري، منذ عقود، إلى خطورة التحوّل من “الإنسان المستخلف” إلى “الإنسان الوظيفي”، ومن القيم المطلقة إلى القيم الإجرائية. ففي النموذج الحضاري الغربي المهيمن، لم تعد الأخلاق مرجعية حاكمة، بل تحوّلت إلى خطاب تجميلي يُستدعى عند الحاجة، ويُعلّق متى تعارض مع المصلحة أو القوة.
ومن هنا يصبح الحديث عن “حقوق الإنسان” و“الحرية” جزءًا من أدوات الهيمنة لا من مقتضيات العدل. فالغرب الذي يفاخر بحضارته هو ذاته الذي:
يبرّر الاحتلال،
ويدعم الإبادة،
ويُشرعن الظلم،
ويحمي المجرمين ما داموا داخل دائرة النفوذ.
إنها حضارة ازدواج المعايير بامتياز: أخلاق للإعلان، وممارسات للغرف المغلقة.
الادّعاء الحضاري كوسيلة غزو
لم يكن ادّعاء التفوق الحضاري الغربي بريئًا يومًا، بل استُخدم تاريخيًا بوصفه ذريعة لغزو الشعوب، ماديًا وثقافيًا. فمن الاستعمار الكلاسيكي إلى “التدخلات الإنسانية” المعاصرة، ظلّ الشعار واحدًا: “نحن نُنقذكم من التخلف”، بينما الواقع يكشف عن:
نهب للثروات،
تفكيك للبنى الاجتماعية،
تشويه للهوية،
وإعادة تشكيل الإنسان بما يخدم السوق لا الكرامة.
وهنا تتعرّى الفكرة الغربية عن “التقدم”: تقدمٌ بلا عدل، وقوةٌ بلا أخلاق، ونظامٌ عالمي يقوم على الظلم المُدار قانونيًا وإعلاميًا.
الإسلام: نقيض حضاري لا خصم سياسي
في مقابل ذلك، يطرح الإسلام مشروعًا حضاريًا مغايرًا في جوهره، يقوم على العدل بوصفه غاية لا أداة، وعلى الإنسان بوصفه كرامة لا سلعة. فالعدل في الإسلام ليس انتقائيًا ولا نسبيًا، ولا يخضع لموازين القوة، بل قيمة مطلقة يُحاسَب بها القوي قبل الضعيف.
ومن هنا تتفاقم عداوة الغرب للإسلام والمسلمين، لا لأن الإسلام “رافض للحداثة” كما يُروَّج، بل لأنه يفضح زيف حداثة بلا أخلاق، ويُذكّر بأن أي حضارة تفصل التقدم عن القيم إنما تُراكم أسباب سقوطها.
زيف المصطلحات ومحاولات التمييع
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة مصطلحات من قبيل “البيت الإبراهيمي” بمعزل عن المشروع الأوسع لتمييع الإسلام، وفصله عن مرجعيته العقدية والتشريعية، وتحويله إلى مكوّن ثقافي مُفرغ من مضمونه، قابل للتوظيف السياسي.
إن انكشاف تورّط شخصيات منحرفة، بعضها يتدثّر زورًا بالإسلام، وارتباطها بمشاريع مشبوهة، يؤكد أن ما يجري ليس حوار أديان بقدر ما هو إعادة هندسة للوعي، عبر:
ابتزاز ساقطين أخلاقيًا،
وتقديمهم بوصفهم “نماذج معتدلة”،
وتلبيسهم جرائم مقرفة، في محاولة لتشويه الإسلام من الداخل، بعد أن فشلت محاولات استهدافه من الخارج.
خاتمة
إن ما نشهده اليوم ليس مجرّد فضائح أخلاقية، بل انهيار سردية. سردية ادّعت احتكار القيم، بينما هي عاجزة عن حماية أبسط معاني الإنسانية داخل نخبها الحاكمة. وسقوط القناع لا يعني نهاية الهيمنة، لكنه يؤذن ببداية الوعي بأن الصراع الحقيقي ليس بين “غرب متحضر” و“شرق متخلّف”، بل بين:
حضارة تجعل العدل أساس وجودها،
وأخرى تجعل القوة معيار حقيقتها.
وحين يغيب العدل، مهما ارتفعت ناطحات السحاب، فإن السقوط يصبح مسألة وقت.
حمادي سيدي محمد آباتي









