أخبار اليوم. أصاب الوزير السابق محمد فال ولد بلال حين وصف، بعبارات صادمة، مشهد الحافلات والشاحنات المعبّأة بالبشر في مواسم السياسة. أصاب في التشخيص، ولامس جوهر ما يُعرف بالزبونية السياسية، حيث يتحول المواطن إلى رقم، وإلى “حمولة” تُقاس بالكثرة لا بالوعي. غير أن ما قاله، على وجاهته، يظل ناقصًا ما لم يُستكمل بسؤالٍ أكثر إزعاجًا: من صنع هذا الواقع؟ ومن سمح له أن يستمر؟
لأن ما وصفه الوزير السابق ليس طارئًا على الدولة الموريتانية، ولا نتاج انحراف أخلاقي فردي، بل هو ثمرة مسار طويل شاركت في تشكيله نخبٌ سياسية وفكرية، كانت – في لحظة ما – في موقع الفعل والقرار، لا في موقع الشهادة فقط.
1. من التشخيص إلى المساءلة
الزبونية السياسية، كما تفضل الكاتب، لا تقوم إلا حيث يسود الفقر والبطالة والهشاشة. لكن هذه الشروط لم تنشأ تلقائيًا، بل صُنعت داخل خيارات سياسية واقتصادية وتعليمية محددة.
وهنا تبرز المفارقة:
كيف يمكن لنخبةٍ عاصرت الدولة، وشاركت في السلطة، ورفعت في مراحل معينة شعارات العدالة والتحرر (ومنها حركة الكادحين)، أن تكتفي اليوم بوصف نتائجٍ كانت – بشكل مباشر أو غير مباشر – جزءًا من سياق إنتاجها؟
إن النقد الصادق لا يكتمل ما لم يتحوّل من إدانة الممارسة إلى مساءلة البنية، ومن استنكار الفعل إلى مساءلة الدور.
2. النخبة بين الوعي والتدجين
لا يمكن فهم مشهد “تعبئة الحافلات” خارج سياق احتكار ثلاثي:
احتكار المال العام،
واحتكار السلطة،
واحتكار الوعي.
وهذا الاحتكار لم تمارسه فقط الأنظمة بوصفها أجهزة، بل شاركت فيه نخب مدنية وسياسية اختارت – في لحظات حاسمة – المصالحة مع السلطة دون مصالحة المجتمع، والاستقرار دون ديمقراطية، والإدارة بدل التغيير.
حين فشل التعليم العمومي، لم يكن ذلك قدرًا.
وحين أُفرغت المدرسة من وظيفتها النقدية، لم يكن خطأً بريئًا.
وحين تُرك المواطن أعزل:
أعزل من المال،
وأعزل من الوعي،
وأعزل من التنظيم،
فقد أصبح – منطقيًا – مادة سهلة للزبونية.
هنا، لا يعود من العدل تصوير المواطن كقطيع فقط، دون الاعتراف بأن من أدار الحظيرة تغيّر، لكن منطق الحظيرة بقي واحدًا.
3. تحالف السلطة: لماذا لا تكفي النوايا الحسنة؟
ما نعيشه اليوم هو نتيجة تحالف مستقر بين:
بيروقراطية تحكم باسم الدولة،
ورأس مال يعيش على القرب من القرار،
ومؤسسة عسكرية تضبط التوازن،
وقوى تقليدية تؤمّن القواعد الاجتماعية.
هذا التحالف لا ينهار بالفضح الأخلاقي وحده، ولا بالحنين إلى زمن “أنظف”، بل بتفكيك أدواته. وأولى هذه الأدوات هي الزبونية بوصفها لغة التواصل بين السلطة والمجتمع.
4. ما الذي كان ينبغي على النخبة فعله… وما الذي لا يزال ممكنًا؟
إذا كان الوزير السابق صادقًا في قلقه – ولا سبب للتشكيك في ذلك – فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تفرض الانتقال من موقع الشاهد إلى موقع المُراجِع.
والخروج من هذا الواقع لا يكون بـ:
تبديل الأشخاص،
ولا بتكرار تشخيصٍ نعرفه جميعًا،
بل بـمسارات عملية، منها:
1. الاعتراف بدور النخبة في إنتاج الأزمة
لا بوصفه ذنبًا شخصيًا، بل مسؤولية تاريخية.
2. إعادة الاعتبار للتعليم كأداة تحرر لا تدجين
تعليم يُنتج مواطنًا، لا تابعًا ولا زبونًا.
3. دعم التنظيم المستقل للفئات الهشة
لا تمثيلها من فوق، بل تمكينها من التعبير عن مصالحها بذاتها.
4. تجريم الزبونية سياسيًا وأخلاقيًا
بتحويلها من ممارسة “مفهومة” إلى سلوك مُدان علنًا.
خاتمة: ما بعد الشهادة
ما كتبه محمد فال ولد بلال مهم، لأنه كسر الصمت ووضع الإصبع على الجرح.
لكن الجرح أعمق من مشهد الحافلات، وأقدم من نظام بعينه.
والسؤال الذي يبقى – وهو موجَّه إلى كل النخب التي عاصرت الدولة وشاركت فيها – هو:
هل نكتفي بوصف القطيع، أم نمتلك الشجاعة لنقول كيف صُنعت الحظيرة، ومن حرس أبوابها، ولماذا لم تُفتح في الوقت المناسب؟
ذلك وحده ما يحوّل الشهادة إلى فعل، والنقد إلى أفق.









