أخبار اليوم. لا يعد خافيًا أن أوروبا لا تتعامل مع ملف الهجرة بوصفه قضية إنسانية، بل كمسألة أمن داخلي وانتخابات. تجربة تركيا منذ اتفاق مارس 2016، حين دفعت بروكسل ستة مليارات يورو لأنقرة مقابل وقف تدفق اللاجئين، أسقطت آخر أوهام “الشراكة المتكافئة”. غير أن السؤال الموريتاني لا يجب أن يكون: لماذا لا نبتز أوروبا كما فعلت تركيا؟ بل: كيف نستفيد دون امتلاك أدوات الابتزاز؟
الجواب يبدأ بالاعتراف بالحقيقة:
موريتانيا لا تملك موقع تركيا، ولا وزنها الجيوسياسي، ولا قدرتها على التحكم في كتلة بشرية ضخمة داخل حدود مغلقة. لكنها تملك ما هو أقل صخبًا وأكثر قابلية للاستثمار: الاستقرار النسبي في محيط الساحل الملتهب، والموقع كمنطقة عبور محتملة، لا كمخزن دائم.
أوروبا تدفع… ولكن لمن يعرف كيف يطلب
تجارب إفريقية عديدة تؤكد أن أوروبا تدفع في ملف الهجرة، لكن بشروط تختلف حسب قوة الدولة وقدرتها على التفاوض.
في المغرب، رُبط ملف الهجرة باتفاقات أوسع. فمنذ “الشراكة من أجل التنقل” مع الاتحاد الأوروبي عام 2013، ثم الاتفاقيات الثنائية مع إسبانيا (خاصة بعد أزمة سبتة 2021)، حصل المغرب على دعم مالي وتقني مستمر. بين 2014 و2020، تلقى أكثر من 343 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي في برامج مرتبطة بالهجرة والحدود، مقابل تعاون أمني مضبوط، دون أن يتحول إلى مخيم احتجاز مفتوح. الدرس هنا واضح: الاستقرار يُقدَّم كخدمة سياسية لها ثمن، لا كواجب أخلاقي مجاني.
في المقابل، تمثل النيجر المثال التحذيري. بعد إقرار قانون 2015-36، الذي جُرِّم بموجبه نقل المهاجرين تحت ضغط أوروبي مباشر، تحولت أغاديس إلى نقطة خنق للهجرة. الاتحاد الأوروبي ضخّ أموالًا عبر “الصندوق الائتماني للطوارئ من أجل إفريقيا” (EUTF)، قُدّرت بعشرات الملايين، لكن دون تعويض حقيقي للاقتصاد المحلي. النتيجة: تفكك شبكات معيشة، غضب اجتماعي، وتوتر ساهم في هشاشة الدولة قبل الانقلابات المتتالية. التعاون الأمني بلا تنمية ليس شراكة، بل تفجير مؤجل.
أما تونس، فقد دخلت الملف من باب الأزمة الاقتصادية. في يوليو 2023، وُقّعت مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي بقيمة تقارب 1.05 مليار يورو (منها نحو 105 ملايين مباشرة لملف الهجرة). أوروبا دفعت سريعًا، لكن بسقف منخفض، وحمّلت تونس عبئًا اجتماعيًا ثقيلًا. تحوّل الملف إلى أزمة داخلية، وصعد خطاب عنصري، وتآكل الهامش السيادي. الضغط دون بنية داخلية صلبة يحوّل الهجرة من ورقة تفاوض إلى قنبلة داخلية.
أما ليبيا، فهي المثال الأقصى: الفوضى جلبت المال الأوروبي، لكنها دمّرت الدولة. دعم خفر السواحل الليبي منذ 2017 خفّض أعداد الواصلين إلى إيطاليا، لكنه كرس اقتصاد احتجاز وتهريب، وسلب أي قدرة تفاوضية حقيقية. المال جاء، والسيادة ذهبت.
أين تقف موريتانيا؟
موريتانيا ليست المغرب، ولا النيجر، ولا تونس، ولا ليبيا. وهي هنا تملك ميزة نادرة: الوقوف في المنتصف. دولة ليست قوية بما يكفي للابتزاز، ولا منهارة بما يكفي لتُشترى بالفوضى.
ما الذي يمكن فعله عمليًا؟
أولًا، تحويل ملف الهجرة إلى ملف سيادي تفاوضي، لا أمني فقط. أي تعاون في ضبط الحدود يجب أن يكون مشروطًا باتفاقات مكتوبة، زمنية، وبتمويل سيادي كامل، لا بمشاريع ظرفية.
ثانيًا، الربط الصريح بين الهجرة والتنمية المحلية. أوروبا تفهم لغة الأرقام: كل يورو يُستثمر في المناطق الحدودية (بنية تحتية، صيد، زراعة، خدمات) يقلل كلفة الاستقبال داخل أوروبا أضعافًا. يجب أن تُحوّل موريتانيا هذا المنطق إلى شرط تفاوضي.
ثالثًا، رفض منطق “الاحتجاز الدائم”. أي اتفاق يحوّل البلد إلى ساحة انتظار بشرية خارج القانون الأوروبي هو خسارة صافية. المطلوب تحديد سقوف قانونية وأعداد ومسؤوليات إعادة التوطين أو العودة.
رابعًا، العمل الإقليمي بدل البطولة الفردية. أوروبا تفاوض كل دولة إفريقية على حدة لتخفيض الكلفة. التنسيق مع دول الساحل وغرب إفريقيا يرفع السعر ويمنع سياسة التفريق.
الخلاصة
موريتانيا لا تحتاج أن تكون تركيا، ولا أن تلوّح بالفوضى. ما تحتاجه هو عقل تفاوضي بارد، يعترف بالضعف دون أن يحوّله إلى استسلام. أوروبا لا تحترم من يصرخ باسم الأخلاق، لكنها تدفع لمن يُقنعها بأن الاستقرار ليس مجانيًا.
الهجرة ليست قضية إنسانية فقط، ولا مؤامرة خالصة، بل سوق مصالح قاسٍ.
ومن لا يحدد ثمن موقعه، سيجد نفسه يؤدي الدور مجانًا، بينما يُحصّل الآخرون الفاتورة.









