حين يتحوّل “الإجماع المحلي” إلى إقصاء ناعم تعليق على طرح استبدال وزير لكصيبة بين منطق النقد ومنطق التوريث

 

أخبار اليوم     لا يختلف اثنان على أن نقد الأداء الحكومي حقٌّ مشروع، بل ضرورة في أي نظام يسعى إلى التصحيح والتطوير. كما لا يمكن إنكار أن أي وزير، مهما كان موقعه أو قربه من دوائر القرار، يبقى خاضعًا للتقييم والمساءلة السياسية والأخلاقية. غير أن الإشكال لا يكمن دائمًا في ماذا ننتقد، بل في كيف ننتقد، وإلى أي أفق يقودنا هذا النقد.

فالطرح المتداول مؤخرًا بشأن ضرورة استبدال الوزير التيجاني اتيام، وإن بدأ – ظاهريًا – من بوابة تقييم الأداء والعلاقة مع الفاعلين المحليين، سرعان ما انزاح من نقد سياسي مشروع إلى تصور بديل يثير أكثر من علامة استفهام، ليس فقط من زاوية الديمقراطية، بل أيضًا من زاوية التعايش والعدالة والانسجام مع التوجهات المعلنة لرئيس الجمهورية.

من نقد الأداء… إلى منطق “الأسرة البديلة”

المفارقة الأساسية في هذا الطرح أنه لم يكتفِ بتعداد ما يعتبره مثالب الوزير أو إخفاقاته في التواصل والتمثيل، بل انتقل مباشرة إلى اقتراح بديل شبه محسوم، محصور في دائرة اجتماعية واحدة، وكأن مقاطعة لكصيبة – بكل تنوعها وامتدادها – تختزل في أسرة بعينها، مهما كان وزنها أو تاريخها.

وهنا يبرز التناقض الجوهري:
إذا كان الوزير يُنتقد لأنه “منعزل” و”لا يمثل الجميع”، فكيف يُعالج ذلك باقتراح تمثيل أحادي يُكرّس الاصطفاف الأسري، ويعيد إنتاج منطق المحاصصة القبلية، بل يذهب أبعد من ذلك نحو توريث سياسي مقنّع لا يراعي مبدأ تكافؤ الفرص ولا عدالة التمثيل؟

لكصيبة: أكثر من بلدية… وأكثر من أسرة

مقاطعة لكصيبة ليست دائرة اجتماعية مغلقة، بل فضاء إداري وسياسي يضم أربع بلديات، ويُعد نموذجًا حيًا للتعايش السلمي بين مختلف مكونات الشعب الموريتاني: عربًا، فلانًا، لحراطين، وغيرهم. ومنذ إنشائها مركزًا إداريًا، ثم بلدية، ثم مقاطعة، ظل المشهد السياسي فيها متوازنًا نسبيًا، تتصدره – تاريخيًا – أسرة أهل يرو بابا، التي قدّمت عمدًا ووزراء وشخصيات وازنة، وأسهمت في إدارة الشأن العام لعقود.

ومن المفارقات الصارخة أن الطرح الجديد، باسم “تصويب المسار”، يتجاهل هذا المعطى التاريخي، وكأن التداول والتمثيل لم يعدا قيمة، بل عبئًا يجب تجاوزه، الأمر الذي يُنذر بتكريس شعور بالظلم والتهميش لدى باقي المجموعات، من فلان وبظان ولحراطين، الذين لم يكونوا يومًا خارج النسيج السياسي والاجتماعي للمقاطعة.

الكفاءة لا النسب… والتمثيل لا يُفرض

الأخطر من ذلك، أن هذا الطرح يتناقض صراحة مع ما دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في أكثر من مناسبة، لا سيما خلال زيارته للحوض، حين شدد على أن القبائل لا تختار ممثليها، وأن الدولة لا تُدار بمنطق المحاصصة الاجتماعية، بل بمنطق الكفاءة والاستحقاق والعدالة.

ولكصيبة، خلافًا لما يوحي به المقال المتداول، ليست فقيرة في الأطر ولا في الكفاءات. فهي تزخر بأبناء وبنات من مختلف الإثنيات، يشغلون مناصب نوعية في الدولة:

مدير الزراعة،

مدير المعلوماتية بوزارة التربية،

مدير في شركة الكهرباء،
وكلهم مهندسون، إلى جانب عشرات الأطر من الفلان ولحراطين وغيرهم، ممن راكموا تجربة إدارية ومهنية تجعلهم مؤهلين لتحمل المسؤولية دون حاجة إلى غطاء أسري أو رمزي.

نقد الوزير… نعم، ولكن

كان الأجدر – سياسيًا وأخلاقيًا – أن يركّز الطرح على تقييم أداء الوزير، وبيان إخفاقاته إن وُجدت، وفتح نقاش عمومي حول معايير التمثيل والنجاعة السياسية، بدل الانزلاق إلى اقتراحات تُعيدنا إلى مربع ما قبل الدولة، حيث يُختزل العام في الخاص، والوطني في الأسري.

فالمشكلة، إن وُجدت، ليست في اسم الوزير، ولا في انتمائه، بل في مدى قدرته على أن يكون وزيرًا لكل لكصيبة، لا واجهة لمجموعة، ولا ظلًا لمنظومة.

خلاصة القول

إن تحويل النقد السياسي إلى بوابة لإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية، مهما كانت ناعمة اللغة أو براقة الشعارات، لا يخدم لا النظام ولا المقاطعة، بل يهدد التوازن الدقيق الذي ميّز لكصيبة لعقود.
والدفاع الحقيقي عن مشروع الرئيس لا يكون بتضييق دائرة التمثيل، بل بتوسيعها، ولا بإقصاء التنوع، بل باحتضانه، ولا بتوريث المواقع، بل بفتحها أمام الكفاءة والعدالة.

أما غير ذلك، فليس تصويبًا للمسار… بل انحرافًا عنه.

  • Related Posts

    وزير الثقافة يؤكد ضرورة الشفافية في توزيع الدعم العمومي للصحافة

    أخبار اليوم.     أكد وزير الثقافة الحسين ولد أمدو على ضرورة الالتزام الصارم بأقصى معايير الشفافية والإنصاف والنزاهة في تسيير وتوزيع موارد صندوق الدعم العمومي للصحافة، بما يضمن توجيه الدعم…

    اقرأ المزيد

    البرلمان يصادق على مشروعي قانونين يسمحان بالمصادقة على اتفاقية إطارية وقرض بين موريتانيا والبنك الإسلامي للتنمية

    أخبار اليوم.    صادقت الجمعية الوطنية، في جلستها العلنية التي عقدتها صباح اليوم الثلاثاء، برئاسة النائب أحمدو محمد محفوظ امباله، نائب رئيس الجمعية، على مشروعي قانونين يسمحان بالمصادقة على اتفاقية…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    • أغسطس 30, 2025
    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    • مايو 26, 2025
    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو

    • مايو 4, 2025
    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو