أخباراليوم. لا يبرز اسم الدكتور أحمدو ولد جلفون في المشهد الوطني بوصفه مجرد مسؤول يتولى منصبًا إداريًا حساسًا، بل كأحد النماذج النادرة التي يلتقي فيها العمق الأكاديمي مع الخبرة التنفيذية، ويتعانق فيها القرار المركزي مع الامتداد السياسي المحلي. فتجربته المهنية ومساره السياسي يجعلان من حضوره على رأس اللجنة الوطنية للمحروقات حدثًا ذا دلالات تتجاوز التعيين الإداري إلى إعادة تعريف دور المؤسسة ذاتها.
وُلد ولد جلفون سنة 1963 بمدينة تمبدغه، ومنها تشكل وعيه الأول بالتحولات الاجتماعية والديموغرافية التي سترافق مساره العلمي لاحقًا. فقد جمع بين دكتوراه في علوم الاتصال وشهادة مهندس في الديموغرافيا، وهو تكوين نادر أتاح له مقاربة الملفات العمومية بعين تحليلية، تراعي البعد الإحصائي والتواصلي في آن واحد، وتمنحه قدرة على فهم ديناميات المجتمع وصياغة السياسات العامة بواقعية وعمق.
هذا الرصيد العلمي تُرجم عمليًا عبر مسار إداري متنوع ومتشعب، شمل توليه حقيبة الصحة في حكومة مولاي ولد محمد لقظف، ثم الإدارة العامة لشركة تسويق الأسماك، فقيادة المكتب الوطني لموانئ الصيد بين يوليو 2023 ويناير 2024، قبل أن يتولى إدارة الشركة الموريتانية للصناعات التكريرية من 31 يناير إلى 31 ديسمبر 2024. وهي محطات رسخت لديه معرفة دقيقة بالقطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن الغذائي، واللوجستيك، والطاقة، وصولًا إلى تعيينه، منذ 31 ديسمبر 2024، رئيسًا للجنة الوطنية للمحروقات.
غير أن قراءة تجربة ولد جلفون تظل ناقصة إن اقتصرت على بعدها التكنوقراطي فقط. فالرجل يمتلك، بالتوازي، ثقلًا سياسيًا وازنًا في ولاية الحوض الشرقي، وبالأخص في مدينة النعمة ومقاطعة تمبدغه، حيث يقود حلفًا سياسيًا محكم التنظيم، واسع التأثير، بات فاعلًا رئيسيًا في موازين القوى المحلية، وصاحب اليد الطولى في توجيه المشهد السياسي بالمقاطعة. هذا الحضور لم يتشكل ظرفيًا، بل هو نتاج تراكم طويل من العمل الميداني وبناء التحالفات، ما منحه شرعية اجتماعية وسياسية صلبة.
وقد تجلى هذا الوزن السياسي بوضوح خلال زيارة رئيس الجمهورية لولاية الحوض الشرقي، وخاصة محطة تمبدغه، حيث لعب حلف ولد جلفون دورًا محوريًا في التعبئة والتنظيم، مقدّمًا صورة عن قدرة الرجل على توحيد الفاعلين المحليين، وربطهم بخيارات الدولة وتوجهاتها العامة، في انسجام نادر بين المركز والهامش.
ويأتي توليه رئاسة اللجنة الوطنية للمحروقات ليضيف بعدًا جديدًا لهذا المسار، في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حساسية واستراتيجية، لما له من صلة مباشرة بالاقتصاد الوطني، وأمن الطاقة، وتثمين الموارد الطبيعية. فالجمع بين الخبرة الفنية، والقدرة على إدارة الملفات المعقدة، والشرعية السياسية المحلية، يفتح أمام اللجنة الوطنية للمحروقات أفقًا مختلفًا، عنوانه الانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى منطق الفعل الاستراتيجي المتكامل.
إن تجربة ولد جلفون تطرح نموذجًا لإدارة الشأن العام، يقوم على مزاوجة الكفاءة بالامتداد الاجتماعي، والتحليل العلمي بالقرار السياسي، بما يجعل من اللجنة الوطنية للمحروقات، في ظل قيادته، أداة فاعلة لإعادة ربط قطاع الطاقة بمسارات التنمية الشاملة، وتحويله من مجرد قطاع تقني إلى رافعة سيادية ذات أثر اقتصادي واجتماعي عميق.









