أخبار اليوم. يتردد كثيرًا في الخطاب العام أن التعيينات الإدارية تخضع لمنطق المحسوبية والزبونية. ورغم أن هذا القول لم يعد مثيرًا للدهشة، فإن الواقع الحالي يكشف عن مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة، يتجاوز المحاباة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ«هندسة النفوذ الانتخابي» داخل أجهزة الدولة، عبر تدوير انتقائي للمناصب، لا يبدو بريئًا ولا عشوائيًا.
فمنذ أن أُسندت للوزير الأول الحالي أدوار محورية في مسار التعيينات، برز نمط متكرر في اختيار بعض الأشخاص المنحدرين من مقاطعة مقطع لحجار، حيث غدا معيار التعيين ـ في حالات كثيرة ـ مرتبطًا برصيد الأصوات الانتخابية المنسوبة إلى أسر أو دوائر اجتماعية محددة، أكثر من ارتباطه بالكفاءة أو الأقدمية أو التجربة الإدارية. ويزداد هذا المعطى إرباكًا حين نلاحظ أن عددًا معتبرًا من هؤلاء المعيّنين لا ينتمون أصلًا إلى الوظيفة العمومية، في وقت يُقصى فيه موظفون عموميون أكفاء، مشهود لهم بالنزاهة والخبرة، وكأن إبعادهم خيارٌ محسوب، لا مجرد إغفال عابر.
ولا يبدو أن هذا الإقصاء منفصل عن هاجس التحكم في موازين الشعبية والنفوذ المحلي؛ إذ إن تمكين الكفاءات الإدارية قد يمنحها، بحكم موقعها وخدمتها العامة، رصيدًا اجتماعيًا لا ترغب بعض الدوائر في ظهوره خارج حساباتها. وهكذا تتحول الإدارة من فضاء للخدمة العمومية إلى أداة لإدارة الولاءات وضبط التوازنات.
والمفارقة اللافتة أن هذه التعيينات لا تعكس، في الغالب، إعادة إنتاج الزعامات التقليدية ولا مكافأة النفوذ المالي المباشر. فمعظم المحظيين ليسوا أبناء شيوخ تقليديين ولا رجال أعمال نافذين. بل إن بعض التعيينات يبدو موجَّهًا للحفاظ على أصوات جماعات ظلت، تاريخيًا، خارج دائرة المشاركة في العمل الحكومي، إما لأسباب تعليمية أو اجتماعية، بينما تحكم تعيينات أخرى روابط قرابة أو علاقات شخصية قديمة، تحتاج ـ في منطق أصحابها ـ إلى التثبيت والدعم. وهنا يستعيد الوجدان الشعبي مثله الدال: «الدم ألزق، والنفع خياطة»، والخياطة ـ كما هو معلوم ـ أبقى أثرًا وأطول عمرًا.
ويتعزز هذا المنطق بعلاقات تعود إلى فترات الدراسة والتكوين، تحولت عند البعض إلى رأسمال خفي يمنح امتيازات غير معلنة. وقد نُقل عن أحد الذين صاروا اليوم في موقع مؤثر، رده على من عبّر عن تذمره من التهميش بقوله: «نهجُنا واضح: أحصِ شعبيتك أمامنا، وخذ ما تستحق». وهي عبارة، مهما قيل في تبريرها، تختزل انتقالًا مقلقًا من منطق الدولة إلى منطق المقايضة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: أين روح خطاب النعمة الذي دعا بوضوح إلى القطيعة مع الشرعيات التقليدية، وإلى بناء دولة تقوم على الاستحقاق والإنصاف؟ وكيف يمكن التوفيق بين هذا الخطاب وممارسات تُعيد إنتاج الامتياز، وإنْ بصيغ جديدة وأدوات أكثر نعومة؟
إن الإحساس بالغبن يتضاعف حين تنظر مجموعات اجتماعية كاملة إلى تاريخها الوطني وإسهامها في بناء الدولة، دون أن تجد لذلك أي أثر في سياسات التعيين. فهناك مجموعات يزيد عدد ناخبيها، من الرجال وحدهم، على ثلاثة آلاف، ولم يُسجَّل منذ قيام الدولة أن عُيّن منها وزير، ولا أمين عام، ولا والٍ، ولا مدير مؤسسة عمومية، رغم أنها مجموعات هادئة، موالية، وتزخر بكفاءات وطنية عالية المستوى: أطباء، مهندسون، إداريون، أساتذة، معلمون، ومفتشو تعليم.
هذه المجموعات، وإن كانت محافظة في قيمها وسلوكها السياسي، فقد سجلت مواقف وطنية لا تخطئها الذاكرة، من مقاطعة المستعمر، إلى المشاركة المبكرة في معركة النيملان. ولعل ذنبها الوحيد، في ميزان السياسة اليوم، أنها لم تُتقن لغة المزايدة، ولم تحوّل ولاءها الهادئ إلى ورقة ضغط أو سلعة انتخابية.
إن دولة تبحث عن الاستقرار والشرعية لا يمكنها أن تؤسس حاضرها ومستقبلها على منطق الإحصاء الانتخابي وحده، ولا على هندسة الولاءات قصيرة الأمد. فالإنصاف ليس منّة، والاستحقاق ليس تهديدًا، وتمكين الكفاءات لا يعني إضعاف أحد، بل تقوية الدولة نفسها.
إن استمرار إقصاء مجموعات اجتماعية واسعة، وذات رصيد بشري وكفاءاتي معتبر، يبعث برسائل سلبية لا تخدم الثقة في الخطاب العام ولا في مؤسسات الدولة. فحين تُهمَّش جماعات وازنة في عددها، راسخة في وطنيتها، وغنية بأطرها، دون مبرر موضوعي أو تفسير شفاف، فإن السؤال لا يعود مطلبًا فئويا، بل يصبح سؤال عدالة سياسية وحكامة عمومية.









