أخبار اليوم. أثارت رسالة عمومية حديثة، كُتبت على هامش مناسبة رسمية ذات دلالة رمزية، نقاشًا واسعًا تجاوز الحدث نفسه إلى ما يختزنه من أسئلة أعمق تتصل بطبيعة الدولة، وحدود المساواة القانونية، ومعنى الإنصاف في مجتمع متعدّد الهويات والانتظارات. ولم يكن جوهر الرسالة في التشكيك في قانونية الإجراءات، ولا في الطعن في أهلية من نجحوا، بقدر ما كان في لفت الانتباه إلى دلالات الغياب والحضور، وإلى ما يمكن أن يولّده ذلك من إحساس مكتوم بعدم التوازن.
وقد ذهب جانب من التفاعل مع هذه الرسالة إلى الاكتفاء بالجواب القانوني الصِّرف: المسابقة مفتوحة، الشروط واحدة، والنتائج تُحسم بالنصوص. وهو جواب صحيح من حيث الشكل، لكنه لا يُنهي النقاش، لأن القانون – كما هو معلوم – لا يكون دائمًا مرادفًا للعدالة، خاصة حين يُطبَّق داخل سياق اجتماعي واقتصادي غير متكافئ. وهنا يستعيد السؤال القديم حضوره: هل تكفي سلامة الإجراء لطمأنة الشعور العام بالإنصاف؟
في هذا السياق، جرى تفسير الإشكال المطروح من زاوية «النموذج المركزي للدولة» وما يرافقه من توتر بين منطق الوحدة ومتطلبات التعدد. غير أن هذا التفسير، على وجاهته النظرية، يبدو قاصرًا إذا لم يُقرأ في ضوء الخصوصية الموريتانية. فالمسألة لا تتعلق فقط بدولة لا تعترف إلا بالمواطن الفرد، ولا بالجماعات بوصفها فواعل سياسية، بل تتصل، في العمق، بطبيعة الدولة نفسها وبكيفية إدارتها للموارد والفرص.
ذلك أن الدولة، حين تتحول إلى مجال تزاحم شديد على موارد محدودة، وحين يصبح الولوج إلى الوظيفة العمومية أحد أبرز مسالك النجاة الاجتماعية، فإن نتائج أي مسابقة ستظل محمّلة بدلالات تتجاوز بعدها الإداري. وعندها، لا يعود الشعور بالإقصاء وليد النص القانوني، بل نتيجة تراكمات أسبق، تتعلق بتفاوت شروط التكوين، واختلال فرص الإعداد، وضعف العدالة في توزيع الامتيازات.
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال البعد التربوي بوصفه أحد الجذور الصامتة لهذا الاختلال. فالتفاوت في نتائج الولوج إلى الوظائف العليا لا يبدأ عند باب المسابقة، بل يتشكل في مراحل أبكر، داخل منظومة يُفترض فيها أن توحّد نقطة الانطلاق، وأن تُحيّد الفوارق الاجتماعية والثقافية، وأن تمنح الجميع أدوات متكافئة للنجاح. غير أن اختلال جودة التعليم، وتفاوت شروط التكوين، وضعف القدرة على تعويض الفجوات الأولى، يجعل من الامتحان النهائي مجرد محطة تُعيد إنتاج ما سبقها. وحين تعجز هذه المنظومة عن أداء وظيفتها في تحقيق الحد الأدنى من العدالة في الانطلاق، تتحول المسابقة – مهما بدت محايدة شكليًا – إلى آلية فرز تعكس التفاوت أكثر مما تُصححه. ومن هنا، فإن أي حديث جاد عن الإنصاف والعيش المشترك يظل ناقصًا ما لم يُربط بإصلاح عميق يعيد الاعتبار لوظيفة التعليم كرافعة للتماسك، لا كمرآة للاختلال.
ومن هنا، فإن اختزال النقاش في تعديل النموذج المركزي أو تليينه بآليات تمثيلية، قد يحجب جوهر الإشكال بدل أن يكشفه. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في التوفيق الشكلي بين الوحدة والتعدد، بل في تفكيك منطق الزحام على المال العام المنهوب، وفي إعادة بناء الثقة في دولة يشعر الجميع أنها لا تُدار بمنطق الغلبة الصامتة، ولا بمنطق الترضية الرمزية، بل بمنطق الإنصاف وتكافؤ الفرص.
إن العيش المشترك لا يتصدع بسبب القانون، بل بسبب الإحساس بأن القانون يعمل داخل حلبة مائلة. ولا يتعزز بتعدد الخطابات، بل بتكافؤ الشروط التي تسبق الامتحان، وتسبق التعيين، وتسبق حتى النقاش العمومي نفسه. فالتمثيل، حين لا يُسند إلى عدالة في الفرص، يتحول إلى عنوان إضافي للالتباس، لا إلى أداة للطمأنة.
وعليه، فإن الرهان المطروح اليوم ليس الدفاع عن حدث ولا مهاجمته، بل استثمار دلالته في فتح نقاش هادئ ومسؤول حول الدولة التي نريد: دولة تجعل من العيش المشترك نتيجة طبيعية للإنصاف، لا شعارًا يُستدعى عند كل احتقان؛ دولة يكون فيها القانون أداة للعدل، لا غطاءً لاختلالات أعمق.
حمادي سيدي محمد آباتي









