أخبار اليوم. لم تكن النظرة الغربية إلى إفريقيا مجرّد صورة نمطية ثقافية، بل كانت – ولا تزال – امتدادًا لبنية هيمنة تجد سندها في القوة، وتبريرها في خطاب معرفي يُفرغ مفهوم السيادة من مضمونه الفعلي. وفي هذا السياق، تمثّل موريتانيا حالة كاشفة: دولة مستقلة دستوريًا، لكنها ظلّت، في كثير من الأحيان، محاصَرة بتأويل خارجي لمعنى استقلالها وحدود قرارها.
غير أن الدستور الموريتاني، في نصّه وروحه، لا يمنح أي شرعية لهذه الوصاية المقنّعة.
أولًا: السيادة في الدستور… مبدأ غير قابل للتجزئة
ينص الدستور الموريتاني بوضوح على أن:
> السيادة الوطنية ملك للشعب، وهو مصدر كل سلطة.
وهذا المبدأ لا يقتصر على الشأن الداخلي، بل يمتد منطقيًا إلى:
القرار السياسي الخارجي،
اختيار الشركاء،
وتحديد موقع الدولة في النظام الدولي.
غير أنّ الممارسة، في كثير من المراحل، شهدت تفريغًا تدريجيًا لمفهوم السيادة، حين قُدّمت “الالتزامات الدولية” باعتبارها قيودًا نهائية، لا خيارات سياسية قابلة للمراجعة.
وهنا تحديدًا تتسلّل النظرة الغربية الدونية:
إذ يُفترض ضمنيًا أن الدولة الإفريقية غير مؤهلة لممارسة سيادتها كاملة دون إشراف أو توجيه.
ثانيًا: السياسة الخارجية… اختصاص سيادي لا مجال للوصاية فيه
يُحيل الدستور الموريتاني رسم السياسة الخارجية إلى مؤسسات الدولة الشرعية، بوصفها تعبيرًا عن الإرادة الوطنية، لا امتدادًا لإرادة خارجية.
ومع ذلك، كثيرًا ما جرى التعامل مع السياسة الخارجية لموريتانيا وفق منطق:
“التوافق المسبق” مع العواصم الغربية،
أو مراعاة “حساسية الشركاء” قبل مراعاة المصلحة الوطنية.
وهذا السلوك لا يجد له أساسًا دستوريًا، بل يتناقض مع جوهر الدولة ذات السيادة، لأن:
> الاستقلال لا يعني العداء، لكنه يرفض التبعية.
فالسياسة الخارجية، دستوريًا، ليست وظيفة تقنية، بل خيارًا سياديًا يعكس تصور الدولة لذاتها ولمكانتها.
ثالثًا: الشراكات الدولية… من منطق الإملاء إلى منطق التكافؤ
لا يمنع الدستور الموريتاني الانفتاح على الشراكات، بل يشجّعها ضمنيًا، شريطة:
احترام السيادة،
عدم المساس بالمصلحة العليا،
وتحقيق المنفعة المتبادلة.
غير أنّ التجربة الموريتانية مع بعض الشراكات الغربية، خصوصًا في مجالات:
الأمن،
التنمية،
والهجرة،
أظهرت اختلالًا واضحًا في ميزان التكافؤ، حيث تحوّلت الشراكة إلى:
آلية ضبط،
أو أداة ضغط سياسي غير معلن.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تُدار هذه الشراكات بوصفها عقودًا بين دول متساوية، أم ترتيبات بين مركز وهامش؟
دستوريًا، لا يجوز القبول بالنموذج الثاني، لأنّه يتناقض مع مبدأ السيادة غير القابلة للتفويض.
رابعًا: النظرة الغربية إلى موريتانيا… تعارض صريح مع مبدأ الدولة ذات السيادة
حين يُختزل الخطاب الغربي حول موريتانيا في:
ملفات الهجرة فقط،
أو الأمن فقط،
أو تقارير حقوقية انتقائية،
فإن ذلك لا يمثّل تقييمًا موضوعيًا، بل إعادة إنتاج لوظيفة الدولة الهامشية، وهو ما يتعارض مع:
مبدأ المساواة بين الدول في القانون الدولي،
وروح الدستور الموريتاني التي لا تقبل تصنيف الدولة وفق “درجة أهلية”.
فالدولة، دستوريًا، إما ذات سيادة كاملة، أو ليست دولة.
خامسًا: التحولات الدولية… فرصة دستورية لإعادة التموقع
في ظل تخلخل النظام الدولي، وتراجع احتكار الغرب لمفاتيح الشرعية، تمتلك موريتانيا:
سندًا دستوريًا،
وهوامش سياسية،
وواقعًا جيو-استراتيجيًا،
يخوّلها تنويع شراكاتها دون أن تُتَّهَم بـ”الانحراف” أو “الخروج عن الخط”.
فالدستور لا ينص على حصرية الشراكات، ولا على اصطفاف دائم، بل على خدمة المصلحة الوطنية.
خاتمة: الدستور كأداة تحرّر لا كنصٍّ معطّل
إنّ معركة موريتانيا مع النظرة الغربية الدونية ليست معركة خطاب فقط، بل معركة:
تفعيل دستوري،
وجرأة سياسية،
واستعادة لمعنى الدولة.
فالدستور الموريتاني لا يطلب إذنًا من أحد ليمنح الدولة سيادتها،
بل يفترضها أصلًا.
وما لم تتحوّل السيادة من نص مُعلّق إلى ممارسة واعية،
سيظل الغرب ينظر،
وستظل موريتانيا تُنظَر إليها…
بدل أن تُعرّف نفسها بنفسها.









