مقترح وطني لمعالجة ما أصبح يُعرف بالإرث الإنساني بين ضرورة الإنصاف وصيانة هيبة الدولة

 

أخبار اليوم.    منذ نشأة الدولة الموريتانية وهي تخوض مسارًا بالغ التعقيد؛ فقد ظلت تبحث عن شكلها السياسي وهويتها المؤسسية وسط محيط إقليمي عرف الدولة الحديثة قبلها بقرون، كما في المغرب والجزائر وتونس وليبيا. وعلى هذا الطريق ارتسمت لحظات اضطراب حقيقية، بدأت من تجاذبات أصحاب مشروع «النهضة»، الذين وجدوا في أطماع المغرب و«موديبوكيتا» رافعة سياسية، وانتهى بعضها إلى مواجهات دامية. ثم جاءت حركة 1966 المدعومة — بصورة أو بأخرى — من فرنسا وسينغور، لتفتح فصلاً جديدًا من التوظيف الخارجي والتوتر الداخلي.

ومع مرور الزمن تعددت الهزات، فشهدت البلاد محاولات انقلابية كثيرة؛ منها ما ظهر ومنها ما ظل في الظل، من 1978 إلى 1984، ثم محاولة 06 مارس 1981، فـ87، و2003، وغيرها. وفي كل تلك الأحداث بقي شيء مشترك: ألم إنساني، وتصدع اجتماعي، وإحساسٌ بعدم وضوح المصير.

لكن ما وقع سنة 1990–1991 برز ـ في نظر الكثيرين ـ بوصفه اللحظة الأكثر قسوة وإيلامًا؛ إذ ارتبط بمشاعر ظلم، واتهامات بتجاوز القانون، والتصرف خارج الحدود التي يفرضها القضاء والتقاضي والمحاججة القانونية. ولأن التفاصيل ظلت مغلقة أو معتمة، فقد تحوّل الملف إلى مشجب يُعلّق عليه كل من أراد شيطنة الدولة أو الضغط عليها، بل اتخذه بعض المتربصين جسراً لابتزاز موريتانيا في وسائل الإعلام والمنظمات الدولية، باسم «الإرث الإنساني».

ومع أن الأنظمة المتعاقبة اتخذت قرارات للتهدئة — ومنها العفو — إلا أن ذلك لم يقطع الطريق أمام من جعل من هذا الملف تجارة سياسية وورقة ضغط، مع أن قوات الجيش الوطني قد ضحّت في مراحل مختلفة من أجل استقرار البلاد، ولم يكن من العدل مساواة المؤسسة الوطنية الجامعة ببعض التجاوزات الفردية التي وقعت في ظروف استثنائية.

 

من أجل حل نهائي يحفظ الكرامة ويصون الدولة

من خلال مداخلة شجاعة لأحد الضباط المعروفين بالصدق والوطنية، ظهرت ملامح رؤية جديدة:
ضرورة إغلاق هذا الملف بشكل مؤسسي، قانوني، شفاف، حكيم، ونهائي. ليس دفاعًا عن أحد، وإنما صونًا لهيبة الدولة وحق الأجيال القادمة في تاريخ غير معلّق على أبواب الخارج، ولا مستباح في سجلات الضغط الدولي.

آلية مقترحة:

تُشكّل لجنة وطنيّة مستقلّة تضمّ:

1. شخصيات مشهود لها بالنزاهة والاعتدال.

2. ممثلين عن الجيش — ولو من المتقاعدين — دفاعًا عن شرف المؤسسة.

3. خبراء في القانون المدني والجنائي.

4. شخصيات من المجتمع المدني ذات نضج ومعرفة.

5. ممثلين عن الطرف المتضرر، بصيغة تحفظ الحرمة وتُراعي العقل.

 

مهام اللجنة:

كشف الحقائق وتوثيقها نهائيًا.

تحديد من ثبت تورّطه بوضوح ودون تعميم.

مراجعة ما تلقّته أسر الضحايا من تعويضات مادية ومعنوية.

إصدار توصية قانونية مقترحة، يكون العفو السابق جزءًا منها لكنه غير كافٍ وحده.

اقتراح صيغة للمصالحة التاريخية الدائمة، تمنع أي استغلال مستقبلي للملف.

 

 

ملاحظة مكمّلة لضمان عدالة شاملة

ولضمان عدالة لا تستثني أحدًا، من الضروري أن تشمل المراجعة كل الملفات المرتبطة بفترات الاحتقان — دون انتقائية أو تسييس — بما في ذلك حق أبناء الذين قُتلوا من مختلف المكوّنات في معرفة أماكن دفن آبائهم، ورفع الغموض عن الحوادث المغيّبة التي لم يجد أهلها جوابًا عنها حتى الآن.

فالمطالبة بالكشف لا تعني الانتقام، وإنما ترميم الذاكرة الوطنية، وتحويل الآلام إلى قوة اندماج وطني، تُنهي منطق “الضحية” وتفتح عهد “المواطنة المتساوية”. وإذا صلح الماضي، انفتح المستقبل… وانغلقت أبواب الابتزاز، الخارجي والداخلي معًا.

 

خاتمة: نحو إغلاق مشرّف للملف

إنّ من حق ذوي الضحايا الإنصاف، ومن حق الجيش الشرف، ومن حق الدولة أن تطوي الصفحة بأمان وعدل، ومن حق المستقبل أن يُبنى من غير أن يبقى معلقًا بخوف من الماضي. لذا، فإن «الإرث الإنساني» ليس مجرد ذاكرة، بل هو امتحانٌ للعدالة، وامتحانٌ للسيادة، وامتحانٌ للهوية الوطنية الجامعة.

إذا صلحت المعالجة…
صار الوطن أوسع من الجراح،
وصارت ذاكرته جسرًا نحو المستقبل لا مشجبًا للضغائن.

Similar Posts